مع مرور هذه الأيام يكون قد مر عامان على بدء أول تجربة انتخابات برلمانية في الإمارات، والتي شهدت إقبالًا وتفاعلًا شعبياً كبيراً، كما شهدت فوز أول امرأة عربية ووصولها إلى مقاعد البرلمان عبر أصوات الناخبين وليس التعيين. لقد كانت تلك الأيام عرساً حقيقياً واحتفالًا شعبياً بدخول مرحلة جديدة من تاريخ الإمارات السياسي. وبعد أن فاز من فاز في تلك الانتخابات، وعُين من عُين في المجلس الوطني الاتحادي، وعمل المجلس لمدة عامين متواصلين، هل حدث أي تغيير أو تطور على العمل البرلماني في الإمارات؟ والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم ويطرحه أي متابع لهذه التجربة هو ما الذي يجعل الإمارات تعيد تجربتها في الانتخابات البرلمانية التي جرت في ديسمبر 2006 أو تطور من هذه التجربة؟! كما أننا نتساءل لو تكررت تلك الانتخابات البرلمانية في العام القادم، هل سيقبل عليها المواطنون بنفس الحماس وبنفس الاندفاع اللذين شهدناهما سابقا؟! وهل الأفكار التي كانت تدور في أذهان الناخبين بقيت كما هي أم أنها تغيرت؟ كل من تابع انتخابات تلك الأيام، لاحظ مدى تفاعل الناخبين والمواطنين معها... وكل من واصل متابعة الأحداث بعد الانتخابات إلى اليوم، سيلاحظ أن التفاعل قد فتر، وقد انتهى ذلك الحماس من قبل المواطنين بانتهاء الانتخابات وفوز الفائزين وخسارة الخاسرين. البعض يرى أن سبب ذلك هم المواطنون أنفسهم الذين لم يتابعوا أعضاء البرلمان وأعماله، والبعض الآخر يرى أن سبب ذلك هم أعضاء البرلمان الذين نسوا المواطنين والناخبين والوعود التي قطعوها على أنفسهم بمجرد أن دخلوا البرلمان.. ومع اتفاقي مع الرأيين السابقين، إلا أنني اعتقد أن هناك سبباً آخر، وهو عدم وجود ثقافة برلمانية وعدم وجود وعي بأهمية أعمال المجلس الوطني بالإضافة إلى عدم وجود آلية للتواصل بين أعضاء البرلمان والمواطنين. أما آخر التطورات المتعلقة بالتجربة الديمقراطية في الإمارات، فهي الإعلان عن تمديد فترة دور انعقاد المجلس الوطني الاتحادي "البرلمان" وبالتالي مدة العضوية من سنتين إلى أربع سنوات، وهي مدة قد تكون معقولة، ولكن يبدو أنها جاءت، وأقرت حتى تأخذ التجربة نصيبها من الاختبار. ومن جانب آخر أن تحصل الدولة على فرصة أكبر لدراسة مسألة الانتخابات والخيار الديمقراطي من جديد وبهدوء، وفي جميع الأحوال، فإن طول مدة العضوية يتطلب متابعة أكبر للبرلمان وأعضائه على أعمالهم وإنجازاتهم. ويبدو أن الخيار الديمقراطي في الإمارات لم يعد قابلاً للتراجع عنه، وهذا ما أشار إليه صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله، فقد أكد في كلمته بمناسبة العيد الوطني السابع والثلاثين لاتحاد الإمارات حرصه على الاستمرار في ترسيخ العملية الديمقراطية، وتطويرها، للوصول بها إلى مستوى الطموح في المشاركة الشعبية لمواصلة عملية البناء والتنمية، التي تشهدها الدولة ويأتي ذلك إيماناً من سموه بأهمية بناء علاقة تفاعلية بين المؤسسات السياسية والمجتمع. الإرادة السياسية واضحة جداً في هذه المسألة، ويبقى الفعل المجتمعي تجاه هذا الخيار وما نحن على اقتناع به هو أن فئة من المجتمع مستوعبة بشكل كبير العملية الديمقراطية، ولكن من الواضح أن استيعاب الديمقراطية من جميع فئات المجتمع يحتاج إلى وقت قد يكون طويلًا، كما أنه يحتاج إلى الاهتمام بالتعليم، فنحن بدأنا هذه التجربة، لكننا بحاجة إلى سنوات طويلة حتى ننجزها، والمهم هو أن نبدأ بشكل صحيح حتى نصل إلى الهدف المنشود، ولا نكرر أخطاء الآخرين من حولنا. فاليوم ونحن نعيش استمرار تجربتنا الديمقراطية ما نزال نتابع كمراقبين وكمواطنين تجارب أشقائنا الخليجيين وعلى رأسهم التجربة الكويتية في مجلس الأمة التي كلما مرت السنوات عليها، كلما زاد المواطنون والمسؤولون في الدول المجاورة للكويت تحفظهم عليها وتتزايد مخاوفهم من مدى فائدة هذه التجربة في المجتمعات الخليجية. وصارت حجة المعترضين والمتحفظين على فكرة الديمقراطية تزداد قوة ويزداد عدد المؤيدين لهم، وخصوصاً أن التجارب الديمقراطية العربية أغلبها شكلية، أما التجربة الخليجية والتي تنحصر في الديمقراطية الكويتية والبحرينية، فعلى كل منهما ملاحظات يتفق عليها البعض ويختلف آخرون... فالتجربة البحرينية في الديمقراطية تعطي صورة لبرلمان يتحكم به فكر معين، ويأخذ البلد وإنجازاته السياسية والثقافية والفنية والاجتماعية إلى الوراء. أما التجربة الديمقراطية الكويتية التي هي الأقدم والأطول عمراً وتاريخاً، فإنها صارت تعطي صورة لبرلمان لا يتردد في تعطيل البلد ومصالحه من أجل أية قضية مهما كانت بساطتها. أما عن التجارب العربية في الديمقراطية، فالتاريخ يقول إنه حتى نهاية العام 2008 كانت كل التجارب الديمقراطية العربية "محلك سر" القديمة منها والحديثة، وهذا ما يجعل أية دولة عربية تريد خوض تجربة الديمقراطية تفكر مرات وسنوات قبل أن تقبل على هذه الخطوة، فالعرب لم يتمكنوا من ممارسة الديمقراطية بشكلها السليم، وإْن كانوا يمارسون بعض أجزاء منها كل حسب قدرته وحسب إرادته. والبعض الآخر منهم شوه الديمقراطية كما حول الجمهوريات إلى ملكيات وإقطاعيات! حقيقة الديمقراطية التي لا يمكن تجاهلها هي أنها عملية لا يمكن تجزئتها أو تقسيطها، فينبغي أن نقبل الديمقراطية كاملة بكل ما لها وكل ما عليها بإيجابياتها الكثيرة وكل سلبياتها العديدة. ويبدو أن المؤشرات الاجتماعية والثقافية والسياسية إلى اليوم -على الأقل- تشير إلى أن المجتمعات والدول الخليجية ليست مستعدة لقبول الديمقراطية بكل ما فيها، وهي تقبل ببعض ما فيها وترفض البعض الآخر. حتى يستوعب المجتمع هذا الخيار ويتفاعل مع هذه التجربة، من المهم أن يعرف قيمتها ويمارس بعض أدوارها من خلال مؤسسات المجتمع المدني التي نحن بحاجة إلى إيجادها وتفعيلها وإعطائها الأدوار المنوطة بها في خدمة المجتمع وأفراده، ما يعني أن نعيد وضع الحصان أمام العربة بدلًا من وضع العربة أمام الحصان! ومن المهم أن نقتنع بأننا قبل أن نفكر في نجاح الديمقراطية ينبغي أن نهتم بالتعليم والتوعية الشاملة للمجتمع بحيث يكون لدينا جيل يفهم معنى الديمقراطية ويعرف أهدافها ويؤمن بحاجته إليها. وأخيراً يعرف كيف يستخدمها في تطوير بلاده وليس في تعطيل الحياة فيها أو تأخيرها إلى الوراء لسنوات. الديمقراطية تقوم أساساً على المعرفة والحوار والنقاش وقبول الآخر ورأيه المخالف.