مازال مفهوم المواطَنة غير واضح أو محدد في المنطقة العربية عامة، وفي منطقة الخليج خاصة. ذلك أن لهذه المنطقة خصوصيتها فيما يتعلق بأنظمة الحكم، خصوصاً ما يتعلق بإنشاء الأحزاب، والذي قد "يفرّخ" منه مزاج عام بحظر إنشاء منظمات المجتمع المدني، اللهم إلا في دولة أو دولتين. كما اختلط المفهوم على بعض المنظرين ودهاقنة القانون فأوهموا المسؤولين في المنطقة بمدلولات ومصطلحات فضفاضة قد لا تسمي منظمات المجتمع المدني بمسمياتها، بل ولا تخضعها لقانون واضح، فتدمجها ضمن ضغوط الإدارة والروتين تحت إدارة الجمعيات في الوزارة المعنية بحيث تخلط أعمال جمعية الرفق بالحيوان أو جمعية تربية الحمام الزاجل بمنظمات المجتمع المدني! ذلك أن بعض منتسبي تلك الإدارات غير مطلعين على مهام وأهداف منظمات المجتمع المدني. وهذه حقيقة ينبغي ألا نتردد أو نخاف من طرحها في هذا المقام. وضبابية مفهوم المواطَنة تنطلق من أن المجتمع العربي لم "تبصّرهُ" الأنظمة المتعاقبة بحقوقه الأساسية التي قد تهدف لتحقيقها منظمات المجتمع المدني! وحصل أن خلت مناهج التعليم -حتى في البلاد الجمهورية العاتية في التعليم- من أي ملمح يدل أو يقود إلى فهم دور منظمات المجتمع المدني؛ أو حقوق المواطَنة. وصار أن ركزت بعض الأنظمة على تعزيز الوطنية المتشنجة -عبر التحام الشعب بالقائد- مهملة بذلك دور المواطنة. ويرى كل من المفكرين "رسو" و"مل" أن المشاركة السياسية في حد ذاتها كفيلة بأن تعلّم الناس فضائل المواطنة، لكن الأوضاع السياسية في الوطن العربي لم تكن لتسمح بأي شكل من أشكال المشاركة -اللهم إلا ما ندر- وهذا ما أخفى أو حجب دور منظمات المجتمع المدني. ويرى الدكتور سعيد محمود مرسي أن المواطنة "تستند إلى مجموعة من القيم الأصيلة والمتمثلة في حب الوطن والانتماء والولاء والحرية والمشاركة والجماعية، وهذه القيم بصفة عامة تمثل القاسم المشترك الأعظم بين مختلف المجتمعات، وأغلب الثقافات. وهي الجانب العالمي لمفهوم المواطنة، وإن تفعيل قيم المواطنة هو الذي يرتب الحقوق والواجبات بين المواطن والدولة، ويحدد لكل طرف حقوقه وواجباته". وفي مفهوم المواطنة لا يعني الوطن بقعة جغرافية، بل إن مفهوم الوطن يمثل وحدة الانتماء والمشاركة والأمان، والوطنية تعني المشاركة في تحقيق أهداف محددة عبر الحوار الديمقراطي. وهذا ما يفرق السكان عن المواطنين، حيث إن مفهوم السكان يشير إلى مجرد العيش في بقعة جغرافية واحدة، أما المواطنة فتتجاوز ذلك إلى المشاركة بفعالية ومؤسساتية في تحديد المصير وإظهار محددات الانتماء. وتستند المواطنة إلى قيم حب الوطن والانتماء والولاء والحرية والمشاركة الجماعية، وتفعيل هذه المواطنة تترتب عليه حقوق وواجبات الطرفين (المواطن والدولة). يقول سيجال: "إن المواطنة هي فن تعاطي الناس مع كل قضايا الشأن العام، وعندما يخف التزام الناس بالقضايا العامة، فإن الديكتاتورية لا تكون بعيدة". وهذا يعني بكل وضوح مدى أهمية دور المواطنة في تحقيق الديمقراطية. والمجتمع المدني هو المناخ الحر المنظم بين الأسرة والدولة، والتنظيم لا تقوم به الدولة، بل يقوم به أعضاء المجتمع؛ وبأسلوب ديمقراطي يرتضيه المجتمع. وأساس المجتمع المدني هو كفاحه لحماية حقوق المواطنين من الاستغلال أو العبث، وبذلك تتم حماية الأفراد والأقليات من الأغلبية الحاكمة، وهنا نأتي إلى قضية الحقوق ويأتي الفرد قبل المجتمع. وكان ميكافيلي يرى أنه من المسلم به أن يسعى النبلاء وعامة الشعب إلى تحقيق مصالحهم المتضاربة، لكن هذه النزعات لن تعرض الجمهورية للخطر بالضرورة، بل على العكس، فكل التشريعات المُحبذة للحرية تتحقق بالصراع بينهما. وفي المنطقة العربية التي لم تعرف دوراً لمنظمات المجتمع المدني، وكانت فيها الكلمة دوماً للدولة، التي قد تتحالف مع الكيانات العشائرية والمالية أو تلك ذات النفوذ الاجتماعي، فإن ضريبة هذا التحالف قد تكون على حساب الشعوب، حيث قد تتم الصفقات الكبيرة عبر الهاتف. فأي دور يمكن أن تلعبه منظمات المجتمع المدني في مكافحة الفساد، إذا ما كان المسؤولون يُختارون طبقاً لانتمائهم العشائري لا لمؤهلاتهم وتعليمهم في أغلب الحالات؟! وكيف يمكن القضاء على الفساد -وهو معلن ويقوم به مسؤولون كبار في المنطقة العربية- إذا ما غاب التدقيق والمحاسبة، وكيف يمكن أن نقضي على الفساد إذا ما كان الفساد يأتي من الذين يتخذون مصالحهم الخاصة معياراً يركزون عليه جهودهم. وهذا هو الفرق بينهم وبين منظمات المجتمع المدني، التي ينادي بها أغلب المقصيين عن القرار السياسي وهم المثقفون الذين وجدوا أنفسهم فجأة خارج "جنة" الدولة، فلا يتمتعون بأفيائها، ولا يأكلون من "عرائشها" ولا يتكئون على "أرائكها". بل إنهم خارج دائرة الاهتمام الحكومي. و"أهل الثقة" يعتقدون، ولهم الحق، أن منظمات المجتمع المدني تكشف أدوارهم وتعرض مصالحهم للخطر، لذلك لا يأبهون ولا يتحمسون لمثل هذه المنظمات، بل قد "ينصحون" أصحاب القرار بعدم السماح لها بالقيام بأدوارها. وللخروج من هذه الأزمة التي تكبّل منظمات المجتمع المدني، تحتاج دول الخليج إلى الآتي: 1- سنُّ تشريعات واضحة ومحددة -استناداً للدساتير- تضمن عمل منظمات المجتمع المدني وفق الأصول المتعارف عليها دولياً. 2- ضمان عدم تدخل الدولة -الوزارات- في عمل تلك المنظمات، وأن تهيئ الدولة لها سبل إنجاح مهامها على الوجه الأكمل. 3- تفعيل نصوص الدساتير، بأن الجميع سواسية أمام القانون وأنه لا تمييز بين أفراد المجتمع بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين، وأن مبدأ تكافؤ الفرص يضمنه الدستور. 4- ضمان وصول منظمات المجتمع المدني لوسائل الإعلام بكل حرية فيما يتعلق بكشف جوانب الفساد في الدولة، وتقديم المتورطين فيه لمحاكمة عادلة ومعلنة، وإبلاغ الشعوب بنتائج تلك المحاكمات دونما تدخل من أي طرف. 5- إدخال مقرر (المجتمع المدني) في مناهج التعليم في دول الخليج. 6- التعامل بشفافية في قضايا الفساد، وعدم التهاون فيها. وبعد، فإن دول المنطقة تحتاج إلى جهود كبيرة ومستمرة وصادقة من أجل تعزيز دور منظمات المجتمع المدني عامة، ودورها في مكافحة الفساد خاصة، وهذا لن يتأتى إلا بخلق حوار مجتمعي واسع يدعم دور منظمات المجتمع المدني بهدف (مأسسة) هذا الدور وجعله حقيقة قائمة.