متاهة "الفيس بوك"... ضياع مهني وأُسري!
لست أدري كيف سيطر موقع "فيس بوك" على حياتي، فقد ظللت أقاوم إغراءه لفترة طويلة من الوقت. وطالما سخرت من مدمني هذا الموقع الإلكتروني وعشاقه. لكني في الوقت نفسه أخفيت حقيقة أن لي حساباً إلكترونياً فيه، كنت قد أنشأته خصيصاً لتلقي الصور التي ترسلها لي عليه ابنة أختي. وقد ظل ذلك الحساب خالياً إلا من الصور الفوتوغرافية التي ذكرتها. فليس في صفحتي الخاصة معلومات شخصية عني ولا رسائل متبادلة. ثم فجأة بدأت ترد إليّ الدعوات من هنا وهناك قبل بضعة أشهر فحسب. وسرعان ما تطورت الاستجابات المحدودة لهذا الصديق أو ذاك من مستخدمي الموقع، إلى فيض من الرسائل التي تنهال على صفحتي كل ساعة بل كل دقيقة. فكأن أحداً ما سجل عنواني البريدي في الموقع وطرحه للمنافسة الإلكترونية بين المستخدمين! وبعد برهة خطر لي أنه بالإمكان توظيف هذه العناوين والصداقات مهنياً في التواصل مع الكتاب الأحرار العاملين بمجالي الصحفي. وهكذا غرقت في متاهة الفيس بوك!
وسرعان ما وجدت نفسي أرسل واستقبل الدعوات إلى الآخرين بسرعة البرق. وقبل بدء استخدامي للموقع لم تكن دائرة علاقاتي وصداقاتي المهنية بذلك القدر من الاتساع، بل كانت محدودة للغاية في واقع الأمر. ومن تلك النقطة بدأت أبحث عن زملاء وزميلات دراستي. لكني ارتبكت كثيراً حينما وصلتني بعض الردود والرسائل المزودة بالصور الفوتوغرافية، ما دفعني إلى مساءلة نفسي: من يكون هؤلاء الرجال والنساء ممن تقدمت بهم السن كثيراً ويفترض فيهم أن يكونوا زملاء فصلي ودراستي الذين طال بي البحث عنهم؟ ولكني رغم ذلك شغفت كثيراً بتحديث المعلومات التي تردني عنهم على مدار الساعة، وطالما سررت للحياة التي يعيشونها حسبما تصورها القصص الواردة عنهم بانتظام. فمن بينها على سبيل المثال أن زميلي "ليزلي" و"مايكل" كانا من بين الذين شاركوا في تنظيم حفل تنصيب الرئيس أوباما. أما صديقي وزميل دراستي الثانوية "إريك" فقد ذهب رفقة عائلته إلى ديزني لاند. وقس على ذلك روعة حياة زميلي جيرمي المفعمة بالحيوية والترفيه!
لم أكتف بأن وقعت أنا في متاهة الفيس بوك بل أغريت زوجي بالانزلاق إلى ذات المتاهة: يا عزيزي... ليس ثمة ما يضيرك من الانضمام إلى الفيس بوك. فبإمكانك دائماً التخلي عنه متى شئت. ورغم مقاومته في بادئ الأمر إلا أنه سرعان ما وقع في الفخ. فلم تمر أيام على اشتراكه حتى انغمس في البحث عن أصدقاء العمر والطفولة الذين فرقته عنهم سبل الحياة. بل تمكن من التواصل مع زملاء عمله وتحديد مواعيد الغداء المشترك مع عدد من زملاء دراسته الجامعية. ولم يمض أسبوع واحد حتى كانت له شبكة من أصدقاء "فيس بوك" لا يقل عدد أفرادها عن 78 صديقاً، مع أن أصدقاءه يزيدون عن أصدقائي بعشرة. والغريب أن تفوقه عليّ في تكوين هذه الشبكة الواسعة من الأصدقاء والصديقات في ذلك الزمن القياسي أثار ضيقي نوعاً ما.
ولم أكن أدرك أن إدمان الفيس بوك يمكن أن يطال مهنتي ودوامي اليومي. لكن الذي حدث هو أني بدأت فعلياً إهمال واجبات عملي المكتبي. وبدلا من القيام به مثلما تعودت أن أفعل طوال سنوات خدمتي، انهمكت في تحميل الصور وإرسال الوصلات الإلكترونية إلى مواقع أفلام الفيديو المبهجة الصاخبة. ولإخفاء نشاطي هذا، اعتدت أن أبقي على صفحة مهنية مفتوحة على سطح جهازي دائماً، حتى يسود الاعتقاد بأنني منهمكة في عملي اليومي. وحتى في حال انشغالي بصفحة الفيس بوك، فقد نمت لدي مهارة الانتقال منها سريعاً إلى صفحة العمل اليومي، خاصة في الأوقات التي يمر فيها رئيسي المباشر.
ولم يقف الأمر عند ذلك الحد، بل امتد إدماني للفيس بوك إلى شعوري بأن أولادي بدأوا يفسدون عليّ متعة إبحاري فيه. فقد بدأت أتضايق كثيراً عندما يطلبون مني القيام بأي من متطلباتهم التي لا تنتهي... مثل توصيلهم إلى المدرسة وما إلى ذلك. ففي كل مرة يلحون فيها عليّ، كان ردي جاهزاً: دقيقة واحدة كي ألقي نظرة على صفحتي في الفيس بوك. وما أن أفعل حتى تمضي الأمور على النحو التالي: انظر يا صغيري كم هذا رائع! فقد بعثت لي صديقتي كارين بصورة حلوة لطفلها الجديد! ثم انظر إلى هذه كم هي مضحكة ومسلية! هكذا كان يتسرب مني الوقت دون أن أدري وتتراجع مسؤوليتي إزاء احتياجات أسرتي وأطفالي.
ثم حلت بي الطامة الكبرى حين انزلقت إلى مرحلة تحديث صفحتي. فهذا عمل يتطلب سرد تفاصيل حياتي اليومية على الصفحة. من بينها مثلا أني أقفز فزعة ومتسائلة عما إذا كنت قد أضفت معلومات حديثة إلى صفحتي تحكي عن الأصناف التي تناولتها في وجبة الغداء؟ وانتهى بي الأمر إلى قضاء وقتي كله مسمرة أمام شاشة الكمبيوتر، بينما تراكمت الأطباق المتسخة فوق طاولة مطبخي وفرغت الأرفف من الأواني النظيفة، وجاع أطفالي الصغار وتكومت رسائل البريد العادي فوق طاولتي دون أن أتمكن من قراءة أي منها. فكانت تلك هي اللحظة التي قررت أن أضع فيها حداً لهذا الإدمان الخطير، ففعلت بقدر كبير من الصعوبة والمعاناة. واليوم عدت كما كنت في السابق متفرغة لعملي المهني ورعاية أطفالي، وقادرة على التواصل مع أصدقائي هاتفياً.
كريستين هانسن بريكمان
كاتبة ومحللة سياسية أميركية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"