لعنة "أبو غريب": حلت على بانيه وعلى السجَّان والسجين معاً
بين التجربة الحالية للعراق تحت الاحتلال الأميركي، وبين ما كان مأساته العميقة في عهد الاستبداد والحكم التسلطي خلال العقود الثلاثة الأخيرة، ثمة قواسم وأوجه شبه ليست بالقليلة، والشاهد الماثل والصارخ على تقاطع التجربتين في جملة من الممارسات والأساليب الخاصة، هو سجن أبو غريب الشهير الذي كان مصدرا لإرعاب العراقيين في عهد صدام حسين، ثم أصبح مؤخرا أشهر سجن على مستوى العالم أجمع، إثر ظهور الصور التي بثتها شبكة التلفزيون الأميركية "سي. بي. إس" في 28 إبريل المنصرم، وفيها بدت مشاهد مروعة لأسرى عراقيين في سجن أبو غريب، وقد ربطت أسلاك كهربائية على أجزاء من أجسادهم، وظهروا في أوضاع إجبارية مهينة وهم عراة أمام بعضهم بعضاً، وفي صورة أخرى عرايا أيضا ومتكومين فوق بعضهم بعضاً، وفي صورة ثالثة كتبت على جسد سجين عبارة نابية باللغة الإنجليزية، وفي صورة أخرى ظهر سجين آخر يقتاده الجنود الأميركيون ليقف على صندوق ورأسه مغطى وقد تم توصيل أسلاك إلى يديه، وأبلغ بأنه إذا سقط من أعلى الصندوق فسيصعق بالكهرباء.
وفي هذه الصور أيضا بدا الجنود الأميركيون وهم يبتسمون ويقفون لالتقاط الصور التذكارية ويضحكون أو يرسمون بأصابعهم علامة النصر! وكانت وكالة "قدس برس" قد نقلت في 30/1/2004 عن سجينات عراقيات أفرج عنهن من سجن أبو غريب؛ أنهن تعرضن لاعتداءات جنسية من قبل جنود الاحتلال الأميركي، وأن بعضهن اغتصبن خلال اعتقالهن في السجن، إلا أن الولايات المتحدة نفت بشدة في حينه وجود أية انتهاكات في سجن أبو غريب. لكن إزاء صور التعذيب الملتقطة في ذلك السجن أواخر العام الماضي والمنشورة مؤخرا والتي أصابت العالم بصدمة وذهول شديدين، بدأت الولايات المتحدة حملة إعلامية ودبلوماسية لمحاولة تخفيف التداعيات المتصاعدة لهذه الفضيحة، فاعتذر بعض القادة الأميركيين إلى الشعب العراقي، وتم توقيف المتهمة الرئيسية عن أعمال التعذيب الجنرال جانيسكي، كما وجهت خطابات توبيخ إلى ستة جنود آخرين. إلا أن هؤلاء وعائلاتهم ومحاميهم نفوا أية مسؤولية لهم في ما حدث من إهانات للمعتقلين العراقيين في أبو غريب، وكشفوا عن تعليمات صدرت بتنفيذ عمليات التعذيب المنهجي، وقالوا إن الجنود كانوا مجرد أدوات لتنفيذ أوامر عليا.
فما الجديد في صور التعذيب إذن؟ منذ وجوده وحتى الآن كان تاريخ سجن أبو غريب على الدوام ملطخا بالبشاعة والدم والأنين والصراخ. فقد وضعت تصاميم سجن في ذلك الموقع خلال أواسط الخمسينيات، ثم جمد المشروع حتى عام 1963 حينما أصبحت سجون بغداد الموروثة عن العهد العثماني مكتظة بنزلائها، فأعطى عبدالكريم هاني وزير العمل والشؤون الاجتماعية حينذاك أمرا ببنائه، وتم إكماله في عام 1969 أي بعد عام واحد من وصول حزب "البعث" إلى سدة الحكم في العراق. بيد أن عبدالكريم هاني باني سجن أبو غريب أصبح أحد نزلائه في الثمانينيات إثر اتهامه حينئذ بالتستر على مؤامرة ضد صدام حسين. لا أحد يعرف على وجه التحديد عدد الذين دخلوا أو أعدموا أو عذبوا في سجن أبو غريب خلال عهد صدام حسين، لكن ما من شك أن منهم مئات آلاف من السياسيين والمثقفين والعسكريين والطلاب والتجار والنساء الذين عذبوا جميعا بوحشية في ذلك السجن المرعب. وكما يقول تقرير صحفي لـ"خدمة واشنطن بوست"، فقد كان السجناء ينقلون إلى أبو غريب بواسطة شاحنات تبدو مخصصة لبيع "الآيس كريم"، وفي الطريق إلى السجن الممتد على أرض مساحتها 280 فدانا، والواقع على بعد 20 ميلا إلى الغرب من مركز بغداد، كان الرجال المحكومون بالإعدام يقبلون أولئك الذين صدرت ضدهم أحكام بالمؤبد، متوسلين إليهم أن يخبروا عائلاتهم بمصائرهم. أما آلاف السجناء الذين أفلتوا من حبل المشنقة أو أحواض "الأسيد" فكان عليهم أن يصارعوا للبقاء أحياء داخل زنازين متعفنة ومكتظة بالنزلاء وموبوءة بالأمراض ومشحونة بصراخ المعذبين.
وحتى هذا اليوم مازالت عبارات الدعاء التي تركها نزلاء السجن على جدرانه مقروءة، وتقول إحداها:"رب نجني وسأصلي 70 ألف ركعة". ويذكر الحراس والسجناء السابقون في أبو غريب جلادَين قاسيين، أحدهما "أبو داود" في أوائل الثمانينيات، والثاني "أبو عقيل" في أوائل التسعينيات، لكن لا أحد يعرف أين هما الآن. وفي تقرير أعده صاحب عبدالحكيم المقرر الجديد لحقوق الإنسان في العراق، قال إنه في يومي 28 و29 ديسمبر 1986 أعدم 102 عراقيا. أما حين جاء زمن "العشر الأواخر" في عمر نظام صدام حسين، فكان مشهد تدفق سجناء أبو غريب من تحت بوابة السجن الشهير، علامة تنذر بشيء ما جلل قادم. وإذا لم يكن لمئات آلاف حالات التعذيب والإعدام التي شهدها سجن أبو غريب في تلك المرحلة، أن تصل إلى متناول وسائل الإعلام، فلا يعني ذلك أنها لم تحدث.
لكن أيضا من المؤكد أنه حدث على أيدي الأميركيين تعذيب حقيقي وواسع في أبو غريب الذي يضم حوالي 4400 معتقل من أص


