يعتمد الطب الحديث في شكله الكلاسيكي على ركنين أساسين في ممارساته اليومية هما الوقاية والعلاج. ولكن في السنوات الأخيرة تمت إضافة ركن ثالث جديد، يعتمد على التشخيص المبكر جداً للمرض، حتى قبل أن تظهر أعراضه وعلاماته. ففي الركن الأول أو ركن الوقاية، يحاول الأطباء معرفة الأسباب والعوامل التي تؤدي إلى مرض ما، ومن ثم تجنيب أفراد المجتمع مخاطر التعرض لتلك العوامل. وتعتبر الأمراض المعدية الوبائية، أحد أهم أنواع الأمراض التي يمكن أن تظهر بشكل جلي أهمية وفعالية الطب الوقائي. فمرض الكوليرا مثلا والذي تسببه بكتيريا تنتقل إلى الشخص السليم عن طريق مياه الشرب أو الخضروات أو الفواكه الملوثة ببقايا براز شخص مريض، يمكن الوقاية منها بكل سهولة، ومن خلال اتخاذ إجراءات وتدابير بسيطة، مثل توفير مياه الشرب النظيفة لأفراد المجتمع، مع غسل اليدين جيداً بعد استعمال المراحيض، وغسل الفواكه والخضروات جيدا وأكلها بعد تقشيرها في الأماكن التي يتوطن فيها المرض. ومثل تلك الإجراءات على بساطتها، يمكن أن يخفض من حالات الإصابة والوفيات الناجمة عن الكوليرا إلى حد كبير. ويعتمد الطب الوقائي أيضا على التطعيمات، كأسلوب فعال جدا في الحماية ضد الأمراض المعدية. ويكفي أن نسترجع تاريخ مرض شلل الأطفال لندرك مدى فاعلية التطعيمات في إنقاذ حياة الملايين سنويا. فقبل عقود قليلة كان هذا المرض يتسبب في شلل مئات الآلاف سنويا حول العالم، ويلقى في النهاية الآلاف منهم حتفهم بسبب شلل عضلات التنفس. ولكن مع انتشار التطعيم ضد شلل الأطفال من خلال الجهود الدولية التي بدأت عام 1988، وهي الجهود التي تزعمتها منظمة الصحة العالمية والمراكز الأميركية للتحكم في الأمراض ومكافحتها ومنظمة اليونيسف التابعة للأمم المتحدة، تم بالفعل خفض معدلات الإصابة بمرض شلل الأطفال بأكثر من 99.8 في المئة خلال الأربعة عشر عاما الأخيرة فقط. وبالإضافة إلى مرض شلل الأطفال، تعتبر قصة القضاء النهائي - منذ عام 1977- على فيروس الجدري المخيف، والذي كان يقتل الملايين سنويا، هي جوهرة التاج في التاريخ القصير والمبهر لدور التطعيمات في حماية أفراد الجنس البشري ووقايتهم من الأمراض المعدية المختلفة.
وأما الركن الثاني من أركان الطب الحديث أو الركن العلاجي، فقد شهد قفزات هائلة خلال العقود القليلة الماضية، إلى درجة تجعل من المستحيل أن نعرض هنا ولو بشكل مختصر، لقلة قليلة من الاختراقات التي شهدها ولا يزال يشهدها يوميا هذا الجانب من الطب الحديث. ولذا سنكتفي بأن نعرض لمجال البيوتكنولوجي وبالتحديد بحوث الخلايا الجذعية وأسلوب العلاج المناعي، وما يمكن أن يحملاه من فوائد جمة للبشر في صراعهم التاريخي مع الأمراض والعلل. فمنذ أن أدرك الأطباء القدرات الخارقة للخلايا الجذعية على تكوين الأنسجة والأعضاء والخلايا الأخرى، راودتهم أحلام في استئناس هذه الخلايا وتوجيهها إلى تشكيل نسيج محدد أو عضو معين. هذه الفكرة إذا ما نجح العلماء في تحقيقها، ستفتح الباب لمصدر لا ينضب لتخليق الأعضاء الجديدة وقت الحاجة، والتي يمكن استخدامها لاستبدال الأعضاء التالفة كالقلب أو الكلى أو الرئتين، أو حتى لاستبدال الأعضاء التي فقدت نتيجة البتر كالأصابع واليدين والساقين. هذه الأحلام والأفكار يدور غالبيتها حول ما يعرف بالاستنساخ العلاجي، والذي يمكن من خلاله إنتاج خلايا جذعية تتطابق في التركيبة الوراثية مع خلايانا الطبيعية، وبالتالي أن تستخدم لاحقا لإنتاج ما نريده من أعضاء وأنسجة متطابقة مع أنسجتنا وأعضائنا. وتتميز هذه الفكرة بأن الأعضاء التي سيتم استنساخها وقت اللزوم، ستكون متطابقة وراثيا مع أجسادنا. مما يوفر حلا لمشكلة عدم التطابق الوراثي للأعضاء المنقولة، والذي يتطلب في الأحوال العادية أن يتعاطى المريض أدوية مثبطة لجهاز المناعة، تفاديا لقيام الجسم بمهاجمة وتدمير العضو الجديد.
وبخلاف الخلايا الجذعية، يأمل الأطباء أن يوفر أسلوب العلاج المناعي (Immunotherapy) ترسانة جديدة من الأسلحة في مكافحة الأمراض، وخصوصا مكافحة الأمراض السرطانية. والعلاج المناعي ببساطة هو دراسة خصائص دفاعات الجسم الطبيعية، والموجودة ضمن الجهاز المناعي، بهدف استخدامها في قتل الخلايا السرطانية، وربما حتى الوقاية من الإصابة بالسرطان من الأساس.
فلسنوات عديدة مضت اعتقد الأطباء أن جهاز المناعة فعال فقط في محاربة الأمراض المعدية، التي تتسبب فيها الجراثيم المرضية كالبكتيريا والفيروسات وغيرهما. ولكن حديثا بدأ الأطباء يدركون أن جهاز المناعة ليس فعالا فقط ضد الجراثيم، بل إنه يلعب دوراً مهما - وإن كان لا زال غير واضح- في القضاء على خلايا السرطان بعد تكونها، وأيضا منع خلايا الجسم السليمة من أن تتحول أساسا إلى خلايا سرطانية. ورغم أن هذه الوظائف الجديدة لجهاز المناعة وغير المعروفة سابقا، لا زالت تفاصيلها مجهولة، إلا أنه يوجد الآن من الأدلة العلمية ما يكفي لإثبات أن جهاز المناعة في الكثير من المرضى، يعمل على إبطاء


