في الخامس والعشرين من مايو من عام 1966 علّقت ناي يوانزي وستة آخرون من زملائها الذين يعملون بالتدريس بشعبة الفلسفة الماركسية-اللينينية بجامعة بكين صورة شخصية كبيرة انتقدوا فيها إدارة الجامعة. وقد عدّ ذلك الحدث فيما بعد بمثابة ضربة البداية لما عرف بـ"الثورة الثقافية" الصينية. وخلال الأشهر القليلة التالية لذلك الحدث، ازدهرت حركة الحرس الأحمر لتنهار بذات السرعة التي نمت بها. في كتابه الجديد "التمرد المنشق: حركة الحرس الأحمر في بكين" يضطلع "أندرو جي. والدر" بالمهمة الصعبة المتمثلة في إعطاء صورة واضحة عن تلك اللحظة المعقدة والنشطة من تاريخ الصين الحديث. وكان الحوار الفكري السياسي الأكاديمي عن حركة الحرس الأحمر قد تراوح بين موقفين، يرى أولهما أن تلك الحركة كانت تتألف من أفراد ارتضوا لأنفسهم أن يكونوا أداة لصراع الأجنحة المختلفة حول السلطة في ذلك الوقت. بينما يرى الموقف الثاني أنهم كانوا يمثلون قوى اجتماعية حقيقية تعرضت للقمع من قبل النظام السياسي الحاكم، غير أنها تحررت مؤخراً بسبب انهيار ذلك النظام القمعي نفسه. وحسب المؤلف فإن هناك ما يكفي من الأدلة على تأكيد صحة كلا الموقفين. فهناك شخصيات رئيسية في قيادة "الثورة الثقافية" بمن فيها جيانج كنج وكانج شينج، سعت إلى توجيه مجموعات بعينها من أعضاء الحرس الأحمر لمهاجمة قادة آخرين. غير أن ذلك لا ينفي حقيقة أن للحرس الأحمر أجندته الخاصة وكان أفراده شديدي العناد والرفض لما يمليه عليهم بعض القادة في كثير من الأحيان. ذلك أن الحرس الأحمر كان يستند في الأساس الى سلطة الزعيم ماو تسي تونج الذي خوّلهم هدم كافة البنى الثقافية والفكرية القديمة. وكان ذلك يعني فيما يعني هدم القيادات والعناصر التي لا تزال تشدها القيود إلى تلك البنى القديمة. وهذا ما دعا المؤلف إلى المحاججة بالقول إن الثورة الثقافية لم تكن حركة شعبية تعبر عن تيار جماهيري عريض في أوساط المجتمع الصيني، بقدر ما كانت تعبيراً عن مشاركة جماهيرية في السياسات البيروقراطية للنظام الحاكم. ويذكر أن تطهير حكومة بلدية بكين في الثامن والعشرين من مايو 1966 كان قد نتج عنه فراغ في قمة هرم السلطة حينها. كما أدى البوستر الاحتجاجي الذي علقته "ناي" وزملاؤها إلى إحداث حالة من البلبلة العامة في مختلف الجامعات الصينية. وما أن أعادت نشره "جريدة الشعب" اليومية في الثاني من يونيو حتى تحول إلى صراع موت أو حياة بالمعنى الحرفي للعبارة. وكان كافياً لتحطيم حياة أي فرد صيني في ذلك الوقت اتهامه بالانحراف السياسي. ولعل أهم ما أنجزه المؤلف في كتابه هذا هو وضع مرشد عام للانتشار السريع والمحير لحركة الحرس الأحمر في الجامعات الصينية. وضمن ذلك غطى المؤلف وصول ما يسمى بـ"فرق العمل" الحمراء في 27 من مجموع الـ54 مؤسسة تعليم عال في بكين، بينما غطى نسبة 76 في المئة من طلاب التعليم العالي في العاصمة. اعتماداً على هذا الجهد تابع المؤلف ذروة نشاط الحركة والنشاط المضاد لها ومجمل الظروف التي قادت الحركة خلال شتى مراحل نهوضها وانهيارها في نهاية الأمر. والنتيجة الأهم لبدء وصول "فرق العمل" إلى جامعات العاصمة في منتصف يونيو 1966 هو إحداث فرز سياسي اجتماعي حاد، كانت نتائجه قسمة اللاعبين فيه إلى منتصرين ومهزومين، خاسرين ورابحين. وقد بلغت هذه العملية مداها الأقصى في بداية ديسمبر من العام نفسه، نتيجة للهجوم المضاد الذي شنته الفئات التي همشتها كتائب الحرس الأحمر. واتهمت قيادات هذه الفئات المهمشة جيانج كينج ورفاقه بالسعي لاستعادة النظام الرأسمالي وتطبيق نهج رجعي قصد منه شد الثورة الصاعدة إلى الخلف بدلاً من الدفع بها إلى الأمام. وكانت هذه شرارة العنف والمواجهة الحادة بين الأطراف المتنازعة حول السلطة، ما دفع الكاتب إلى تسميته بـ"الثورة الفيروسية". ورغم تباين الانتماء الطبقي الاجتماعي لأفراد الحرس الأحمر الذي خاض مواجهات العنف والعنف المضاد، فإن القاسم الأيديولوجي الذي يجمع بينهم هو تبنيهم لصيغة الاشتراكية الماوية. لكن خاب ظن كتائب الحرس الأحمر في ماو عندما سلم الزعيم أجهزة الأمن زمام أمر العاصمة في يوليو 1968، وبعد شهر واحد فحسب انهارت الحركة تماماً وأفل نجمها. عبدالجبار عبدالله الكتاب: التمرد المنشق: حركة الحرس الأحمر في بكين المؤلف: أندرو جي. والدر الناشر: مطبعة جامعة هارفارد تاريخ النشر: 2009