عندما أطلق عمرو موسى دعوته إلى القمة العربية في سيرت مارس الماضي، لتبحث بجدية صيغة للحوار الفعال مع "دول الجوار"، اتجهت الأنظار مباشرة إلى الدول المجاورة للعالم العربي في آسيا، بادئة بتركيا ثم إيران. كانت تركيا حاضرة جيداً برئيس وزرائها ومواقفها النشطة والملفتة. أما إيران، فكانت تغازل بوضعها في المسألة العراقية ناهيك عن اعتبارات أخرى كثيرة، مع الخليج، أو تجاه النفوذ الأجنبي في المنطقة. وقلما سمعنا ذكراً لـ"الجوار الأفريقي" إلا بالتعداد الذي كثيراً ما يخطئ في أسماء أو مواقع هذه المجموعة من دول الجوار الذي يهدد أحياناً وحدة العالم العربي نفسه!.ونحن لا يمكننا هنا إنكار أهمية وثقل دول الجوار الآسيوي بالطبع، ونعرف أن الدراسات المكثفة لقضايا "الشرق" ضرورية منذ كان العالم العربي كله "مسألة شرقية" في الاستراتيجيات الدولية! ومن ثم، ليس دوري هنا الالتحام بهذه الجبهة، وإنما نريد أن نلفت النظر إلى أنه لا ينبغي لمؤتمر قمة عربي يطلق الاستعدادات للقمة العربية الأفريقية أواخر هذا العام، كما يطلق فكرة العناية بدول الجوار، ثم لا ندرس معاً طبيعة القضايا التي يطرحها للحديث عن دول الجوار الأفريقية. ولنبدأ بخصائص هذه الجبهة الجنوبية والغربية للعالم العربي، والتي تسمى في الأدبيات الأفريقية السياسية مناطق احتكاك أو مناطق التشابك، لأن من أولى خصائصها التي تميز معظمها خلافاً للجبهة الآسيوية أنها تتشابك مع الدول العربية المجاورة في مناطق لغوية وثقافية، بل في تاريخها السياسي، وأن هذا الاشتباك لم يكن صراعياً في معظم مراحله التاريخية، بل مشتركاً في أشكال من الصراع مع الغير، الذي هو الاستعمار الأوروبي، بينما كان الترك ذوي نفوذ سياسي في المنطقة العربية، كما كان الفرس في احتكاك تاريخي متنوع لفترة مع بعض شعوب المنطقة العربية. وتمتد منطقة الجوار الأفريقي في سمة أخرى امتداداً جغرافياً طويلًا غرب وجنوب المنطقة العربية، مما يجعلها – رغم الهدوء المتوقع تاريخيا - ذات احتمالات دائمة في احتكاكات تفرضها الجغرافيا البشرية والطبيعية... فهي تمتد من سواحل أفريقيا على المحيط الأطلسي حتى مواقع أفريقية في المحيط الهندي، لتشمل مناطق اختلاط واشتباك بل ونزاع أحياناً من السنغال مروراً بمالي والنيجر وتشاد غرباً ثم الكونغو وأوغندة وكينيا جنوباً، وأثيوبيا وأريتريا ومدغشقر شرقاً. وهذه المنطقة الواسعة شهدت حضارات دول الساحل والصحراء، وحضارات حوض النيل، ثم حضارات المحيط الهندى الآسيوية. من هذه الخريطة الجغرافية والتاريخية، نستطيع أن ننتبه إلى مواقع الزلل التي تأخذها المناطق الناهضة أو ذات الخطط الاستراتيجية في اعتبارها! والمثال أمامنا عن جدية مثل هذه الاتجاهات في تركيا نفسها، بل وفي فرنسا وإسبانيا وإيطاليا. فرغم المشاكل المزمنة لهذه الدول مع المنطقة العربية إلا أن لكل من هذه الدول على الأقل استراتيجيات محددة وواضحة تحت شعار "رعاية العلاقة مع دول الجوار. بل إنني يمكن أن أشير إلى أن منطقتنا أو أفريقيا نفسها لا تشكل أولوية أولى في استراتيجيات تلك الدول، حتى تركيا، إلا أننا نلمس من طبيعة تحركها أنها تريدنا أن نفهم أننا أولوية أولى. فإلى أي حد تصيغ المجموعة العربية استراتيجية ما تجاه هذه المجموعة من الدول أو تلك، حتى نتساءل عن وضع دول الجوار الأفريقي؟ فلنتصور المعالجات التي تجرى لمجموعة المشكلات القائمة مع دول الجوار الأفريقي هذه، وكيف تتركها في أحيان كثيرة تنمو إلى حد الأزمات، بحيث يصبح أي منها تهديداً مباشراً في أي وقت. ولنطلق للتفكير العادي العنان سعياً وراء عدد من هذه المشاكل التي يعالج بعضها أحياناً بالقوة، وأحياناً أخرى بالتجاهل! في أقصى الغرب مثلاً تشتبك موريتانيا مع "أفريقيا الزنجية" إنْ جازت التسمية، فإلى أي حد تتعاون "المجموعة العربية "مع نظم الحكم الموريتانية المتتابعة لمعالجة هذا الوضع بتمويل التنمية أو العمل الثقافي، أو تبنى الوضع بجدية في منظمات الجامعة العربية المختلفة؟ فإذا جئت إلى المنطقة التالية، جنوب الجزائر وليبيا وتونس بل وفي صحراء مصر ستجد "الطوارق"ذوي تاريخ وثقافة في أنحاء صحراوية واسعة، يتطلعون لنمط معروف من التنموية الرعوية، أو يحمون طرقاً للاتصال معروفة تاريخياً، حاولت قوى الاستعمار محوها من الخريطة، لكن المدن الممتدة من أودغشت حتى تمبكتو وغدامس وغيرها الكثير تترقب دائماً مشروعات تنمية واستجابة مشتركة لمطالب الهوية والثقافة والحكم الذاتي! وفي حوض النيل ستجد جنوب السودان، حيث لا يشكل كله كما نتصور قنابل موقوته، لكن ثقافة الدينكا والزاندي، والفلاتة وشمالها الفور، كان ومازال معظم أبنائها ذوي صلات حميمية مع عالم الثقافة العربية، وبالمثل في ذلك حضارة كوش والتيجري والأورومو في أعالي الحبشة النيلية والأثرية، امتداداً تشتبك مع مروي وتراث النوبة العظيم .. أما الثقافة السواحيلية التي تغطي شرق أفريقيا وتمتد في المحيط الهندي، فإنها حمت جزءاً من العالم العربي من هجمات كادت تصيبه بمقتل من البرتغاليين والفرنسيين فضلاً عن دور البريطانيين امتداداً من حوض النيل. المسألة إذن تتعلق بروابط ثقافية وتاريخية تحولت إلى قضايا سياسية لاحقة، كان لابد لاستراتيجية عربية حديثة بعد حرب 1973 أن تأخذها في اعتبارها، لكن معظم هذه المناطق تتفاقم فيها المشاكل بشكل سيروع شعوبنا في وقت قريب مالم نضعها بعناية على قائمة دراسات "دول الجوار"، التي طالب أمين عام الجامعة العربية بمراجعتها. ولعل التفاتته تلك أن تكون نداء لعدد من مراكز البحوث الاستراتيجية في المنطقة لبحثها في حزمة واحدة مع دول الجوار الشرقية. ننبه هنا لوضع أهالي الصحاري من "الطوارق"، الذين تسعى الدوائر "الدولية " لاتهامهم المتصاعد بالإرهاب محملة الجزائر وموريتانيا أكبر المسؤولية في هذا الصدد. وننبه للحدود التشادية- السودانية حول دارفور التي تسعى هذه الدوائر أيضاً إلى دفع اضطرابها أمام النظام السوداني إلى حد يكاد يستبعدها من دائرة الانتخابات الأخيرة، وإلى حد القطيعة لتصبح أخطر من انفصال الجنوب المتفق عليه على الأقل. وننبه للانهيار الشامل في الصومال، مما بات مسلماً به بحيث لا تعرض بشأنه أية خطط قريبة أو بعيدة مما يعني الكارثة للوجود العربي في المحيط الهندي والبحر الأحمر. ورغم فداحة ما قد ينتهى الأمر إليه في جنوب السودان، فإنني لا أبالغ مع المبالغين عن مخاطره، فهناك تنظيم سياسي يمكن التفاهم معه، وهناك مصادر وصناديق تمويل قد تستوعبه، ولكن ذلك يحتاج لتغطية استراتيجية من قبل مخططي رعاية المصالح العربية في دول الجوار!