بالإضافة للسجالات المحتدمة في أوساط الجمهور، ووسائل الإعلام الخبرية، والطبقة السياسية، كشف الاقتراح المقدم ببناء مركز إسلامي بالقرب من "جراوند زيرو" في نيويورك، وردود الفعل التي ترتبت عليه عن وجود قدر كبير من سوء الفهم أو الأساطير حول ممارسة الإسلام في الولايات المتحدة، والدور الذي تلعبه المساجد يمكن بيانها على النحو التالي: الأسطورة الأولى: إن المساجد جديدة على هذا البلد: ليس هذا صحيحاً، فالمساجد موجودة في الولايات المتحدة منذ العهد الاستعماري عندما كانت بريطانيا تحتل أميركا، حيث بني أول مسجد في جزيرة "كنت"- ميريلاند بين عامي 1731 -1733بواسطة أحد العبيد الأميركيين من أصول أفريقية، ورجل دين مسلم اسمه "أيوب بن سليمان" كان يعمل راعياً. وفي عام 1921 احتفل المسلمون بافتتاح أول مسجد رسمي في الولايات المتحدة في ولاية ديترويت في الغرب الأوسط، الذي شهد أيضا بناء عدد كبير من المساجد في النصف الأول من القرن العشرين. وبعد ذلك جاءت المساجد التي بنيت في ذلك العهد الذي برز فيه تنظيم" أمة الإسلام" بقيادة الزعيم الديني الأميركي من أصل أفريقي"إليجا محمد"(1934ـ1975). وفي خلال العقود الثلاثة الأخيرة، افتتحت مئات المساجد في الولايات المتحدة بعد قدوم ما يزيد عن مليون مهاجر مسلم للبلاد خلال تلك العقود. وتشير الإحصائيات إلى أن إجمالي عدد الأماكن المخصصة لصلاة المسلمين في الولايات المتحدة في الوقت الراهن يربو على 2000 ، القسم الأعظم منها مساجد رسمية. الأسطورة الثانية: إن المساجد تعمل على نشر الشريعة الإسلامية في الولايات المتحدة. الحقيقة أن المساجد لا تقوم بتعليم الشريعة الإسلامية لسبب بسيط هو أن الشريعة علم صعب للغاية يعسر فهمه من قبل الأشخاص العاديين بل ومن قبل بعض الأئمة غير المؤهلين. وكل ما تفعله المساجد هو تدريس القرآن والسنة النبوية، والكيفية التي ترتبط بها القصص في هذين النصين المقدسين بالحياة اليومية. الأسطورة الثالثة: إن معظم الذين يترددون على المساجد في الولايات المتحدة هم من أصول شرق أوسطية، فمن واقع مسح أجراه مركز "جالوب" لاستطلاعات الرأي تبين أن 35 في المئة من المسلمين في أميركا هم أميركيون من أصول أفريقية، وهو ما يعني أنهم يشكلون أكبر مجموعة عرقية دينية من المسلمين في أميركا. ويأتي بعدهم الأميركيون المسلمون من أصول آسيوية (معظمهم من الهنود والباكستانيين).. وهناك أيضا مسلمون أميركيون من البيض، ومن أصول لاتينية، ومن أصول أفريقية (جنوب الصحراء الكبرى)، ومن آسيا الوسطى، بحيث يمكن القول إن المسلمين في أميركا هم أكثر المجموعات الدينية تنوعاً عرقياً. وعلى الرغم من أن هناك عدداً من المساجد التي يؤمها المسلمون من مختلف العرقيات، فإن هناك مساجد مخصصة لجاليات معينة كما هو الشأن بالنسبة لأماكن العبادة الخاصة بأتباع الأديان الأخرى. الأسطورة الرابعة: المساجد الموجودة في الولايات المتحدة يتم تمويلها من قبل حكومات غير صديقة لواشنطن. لاشك أن هناك حالات استخدمت فيها أموال من السعودية وغيرها من دول الخليج في بناء المساجد في الولايات المتحدة، إلا أن الأغلبية العظمى من تلك المساجد تم بناؤها من خلال مساهمات من المسلمين ألأميركيين أنفسهم. والتمويل المحلي لبناء المساجد يعكس في جوهره رغبة العديد من المسلمين الأميركيين في الاستقلال عن أي نفوذ خارجي. الأسطورة الخامسة: المساجد تقود إلى نشوء الإرهاب المحل. العكس تماماً هو الصحيح، لأن المساجد قد تحولت الآن لتصبح مؤسسات أميركية دينية صرفة. فبالإضافة إلى دورها التقليدي كأماكن لممارسة العبادة، تقوم المساجد في الولايات المتحدة بأنشطة أخرى منها على سبيل المثال تقديم دروس أسبوعية للأطفال، وتقديم الإعانات المالية وغيرها للفقراء والمحتاجين وتقديم خدمات الاستشارة، وتنظيم برامج الالتقاء بين الأديان. ليس هناك شك أن بعض المساجد قد شجعت على التطرف الراديكالي مثل مسجد السلام بمدينة جرسي ولاية نيوجيرسي، الذي كان يشرف عليه رجل يقف وراء التحريض على شن الهجمات الأولى على مركز التجارة العالمي عام 1993. ولكن بعد وقوع أحداث الحادي عشر من سبتمبر، تم إبعاد هذا النوع من رجال الدين المتطرفين عن المساجد، انطلاقا من رغبة حقيقية من زعماء المسلمين في أميركا في مواجهة الإرهاب بكافة صوره. هناك مخاوف من ازدياد الانحياز ضد المسلمين بسبب هذه الأساطير وغيرها، وذلك كما ظهر بشكل جلي في الفترة الأخيرة بسبب الاقتراح المقدم من إحدى الجهات ببناء مركز إسلامي بالقرب من الأرض التي كان يقوم عليها برجا مركز التجارة اللذان تهاويا في الحادي عشر من سبتمبر والمعروفة بـ"جراوند زيرو". ومثل هذا الانحياز يمكن أن يدفع بعض الشباب المسلم، الذي يحس بالإقصاء، إلى البعد عن الطريق السليم الذي يدعو إليه كبار المسلمين في المساجد الأميركية واللجوء إلى وسائل أخرى.( حتى الآن لم يحدث هذا على نطاق كبير). مسلمو أميركا يتبنون من خلال مساجدهم نهج الانخراط في شؤون المجتمع والاهتمام بمصالحه، وهو النهج الذي يشكل العلامة المميزة للتجربة الأميركية بأسرها. وعلى هذا الأساس، يجب علينا الترحيب بالمساجد باعتبارها مراكز متقدمة للإندماج الأميركي، لا الخوف منها باعتبارها مراكز لتلقين الفكر الإرهابي كما يذهب إلى ذلك الكثير من الأميركيين. إدوارد كيرتس الرابع ------ أستاذ كرسي الفنون الحرة بجامعتي إنديانا وبيرديو ومؤلف كتاب:"المسلمون في أميركا: تاريخ موجز" ------ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "واشنطن بوست"