الرضاعة الحصرية: قضية خلافية
في عام 2001 أصدرت منظمة الصحة العالمية توصيات خاصة بالرضاعة الطبيعية تنص على ضرورة اعتماد المواليد الجدد على حليب أمهاتهم بشكل حصري خلال الشهور الستة الأولى من حياتهم. وتعتمد هذه التوصيات في جوهرها على الفوائد الجمة التي يجنيها الطفل من الرضاعة الطبيعية مثل تقوية جهاز المناعة، وخفض احتمالات الإصابة بالأمراض المعدية، والوقاية من وفيات المهد، وتمتع الأطفال الذين رضعوا طبيعيّاً بمستويات أعلى من الذكاء، مع انخفاض معدلات إصابتهم بداء السكري لاحقاً، وتمتعهم بأوزان طبيعية، تجنبهم زيادة الوزن والسمنة مقارنة بأقرانهم الذين اعتمدوا على الحليب الاصطناعي، مع انخفاض احتمالات إصابتهم بأمراض الحساسية، أو الإصابة بأحد الأمراض الخطيرة التي تصيب الأمعاء لدى الأطفال الخدج، وغيرها من الفوائد الصحية.
أما بالنسبة للأمهات فتتسبب الرضاعة الطبيعية في خلق رابطة نفسية قوية بينهن وبين أطفالهن، وفي إفراز بعض الهرمونات التي تساعد الرحم على العودة إلى حجمه الطبيعي، وعلى توقف النزيف بعد الولادة، وخلق حالة من الاسترخاء والهدوء النفسي للأم. هذا بالإضافة إلى أن الرضاعة الطبيعية تعتبر مانعاً طبيعيّاً للحمل، وتحقق قدراً من الوقاية من بعض أنواع السرطان مثل سرطان الثدي، والمبيضين، والرحم، كما أن الرضاعة تعتبر أسلوباً طبيعيّاً لخفض الوزن بعد الولادة يعين الأم على استعادة وزنها لمرحلة ما قبل الحمل. ولذا، ونتيجة هذه الحزمة المتنوعة من الفوائد الصحية يوجد اتفاق عام بين أفراد المجتمع الطبي والعاملين في المجال الصحي على ضرورة الاعتماد على الرضاعة الطبيعية لجميع الأمهات وأطفالهن، باستثناء بعض الحالات، كما لو كانت الأم تتناول عقاقير أو أدوية، أو مصابة بميكروب السل، أو فيروس نقص المناعة "الأيدز"، أو بعض أنواع الفيروسات الأخرى.
ولكن على رغم هذا الاتفاق العام على أهمية الرضاعة الطبيعية، إلا أن طول فترة (الرضاعة الحصرية)، أو الفترة التي يجب أن تعتمد فيها تغذية الطفل على حليب الأم فقط يعتبر من القضايا الطبية الخلافية، التي يحتدم حولها الجدل بشكل دائم. وهذا الخلاف والجدل ظهرا للسطح مرة أخرى بداية هذا الأسبوع مع نشر مجموعة من الباحثين البريطانيين لدراسة خلصوا من خلالها إلى أن البدء في فطام الطفل قبل انقضاء فترة الشهور الستة الموصى بها من قبل منظمة الصحة العالمية يمكن أن يحمل فوائد صحية لبعض الأطفال، وهو ما يتعارض مع السياسات المعمول بها من قبل العديد من الجهات الصحية الرسمية حول العالم. وهذه الدراسة، التي نشرت في إحدى أشهر الدوريات الطبية في العالم (British Medical Journal)، أجرتها مجموعة من علماء ثلاثة من معاهد صحة الأطفال (Child Health Institute)، في كل من لندن، وبيرمنجهام، وإدنبرة، واعتمدت على نتائج دراسات من الولايات المتحدة، والسويد، كانت قد أظهرت أن فطام الأطفال في سن متأخرة، يزيد من احتمالات تعرضهم لنقص عنصر الحديد، وللإصابة بحساسية الطعام لاحقاً في حياتهم.
والجزء الأول، أو نقص الحديد، يتأتى من حقيقة أن حليب الأم يعاني من نقص في هذا العنصر الحيوي المهم، كما أن المخزون الموجود من الحديد في جسم الطفل عند ولادته يكفيه لفترة ستة أشهر فقط، وهو ما يعرضه لنقص الحديد إذا ما اعتمد على حليب أمه فقط، طوال فترة (الرضاعة الحصرية).
أما الجزء الثاني، أو حساسية الطعام، فقد أظهرت الدراستان الأميركية والسويدية أنه كلما طالت فترة الرضاعة الحصرية، كلما زادت احتمالات تعرض الطفل لحساسية أنواع مختلفة من الطعام.
وبناء على هذين السببين قد يبدو للوهلة الأولى أن طول فترة الرضاعة الحصرية قضية محسومة، وإن كانت الحقيقة هي أن الصورة النهائية أكثر تعقيداً. فالسبب الرئيسي لتوصية منظمة الصحة العالمية، بالاعتماد الحصري على حليب الأم لستة شهور، وبخلاف الفوائد سابقة الذكر للرضاعة الطبيعية، يتأتى من حقيقة أن حليب الأم غالباً ما يكون خاليّاً من الجراثيم مثل البكتيريا والفيروسات، وهو أمر ذو أهمية فائقة -وخصوصاً في الدول النامية والفقيرة- في وقاية الأطفال الرضع من أمراض الإسهال التي تسببها هذه الجراثيم. فعلى رغم أن كثيرين ينظرون للإسهال على أنه حالة طبية غير خطيرة، إلا أن إحصائيات الأمم المتحدة تثبت عكس ذلك. حيث تحتل حاليّاً الأمراض المسببة للإسهال المرتبة الثانية بين أسباب الوفيات للأطفال الأقل من عمر خمس سنوات، ويتخطاها فقط في هذه القائمة الالتهاب الرئوي الحاد. ويتسبب الإسهال سنويّاً في وفاة 1.5 مليون طفل، 80 في المئة منهم دون عمر السنتين، كما أن الإسهال يعتبر أحد الأسباب الرئيسية للإصابة بسوء التغذية بين من هم دون سن الخامسة. وبالنظر إلى هذه الحقائق، ليس من العسير إدراك سبب اعتماد المنظمات الصحية الدولية والجهات الحكومية المحلية، لتوصيات وسياسات، تعنى بدرء خطر الإسهال عن الأطفال، وخصوصا الرضع منهم.
ولكن بما أن خطر الإسهال يتواجد بشكل رئيسي في الدول النامية والفقيرة، على عكس الدول الصناعية والغنية، التي تتمتع بمعايير رعاية صحية مرتفعة، وتتوفر فيها الأطعمة النظيفة ومياه الشرب الصالحة، فهل يفترض تعريض الأطفال لاحتمالات نقص الحديد، وحساسية الطعام، لدرء خطر غير موجود فعليّاً؟ إجابة هذا السؤال ربما تكون من خلال اعتماد نوعين من التوصيات، الأول يخص الدول الفقيرة بضرورة استمرار الرضاعة الحصرية حتى سن ستة شهور، والآخر يخص الدول الغنية ويقصر الرضاعة الحصرية حتى سن الأربعة أو الخمسة شهور فقط.