يكاد الاضطراب أن يكون العنوان الكبير للمشهد في الشرق الأوسط، سياسياً سقطت أنظمة مصر وتونس وأخرى تواجه تحدّياتٍ كبرى كاليمن، وجيش يقتل مواطنيه في سوريا، وكتائب القذّافي تعيث في عرض البلاد وطولها. واجتماعياً ثمة احتجاجات في كل تلك البلدان تزيد وتنقص، وهذا أصبح مشهداً مألوفاً باضطرابه وتناقضاته. ما يزيد الأمر سوءاً هو اختطاف المفاهيم وتذويب المصطلحات وتشتيت المعاني، فلم يعد للمفاهيم تعريفها المحدد ولا للمصطلحات دلالاتها الواضحة، ولا للمعاني أسسها البيّنة، فأصبح كلّ من شاء قادراً على أن ينتقي ما شاء من المفاهيم والمصطلحات ثمّ يحمّلها المعاني التي يريد وإنْ كانت مختلفةً أو حتى تحمل النقيض، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد. تكاد أكثر الأطراف تجمع على أنّ الانتفاضات العربية أو الثورات قابلة للاختطاف، ولكنّ كل طرفٍ يتخوّف من الآخر، سواء كانت أطرافاً داخليةً أم خارجيةً، والأنكى –كما تقدّم- أنّه ليست الانتفاضات العربية وحدها هي القابلة للاختطاف، بل إن ثمة اختطافاً آخر لا يقلّ أذىً وتأثيراً في زيادة الفوضى، ألا وهو اختطاف المفاهيم الحديثة والحضارية من قبل بعض القوى الأصولية أو الجمهوريات الديكتاتورية. مفاهيم من مثل الحرية والعدالة والمساواة والتعددية والتنمية وحقوق الإنسان والديموقراطية ونحوها تتعرض للاختطاف جهاراً نهاراً من قبل تيّاراتٍ هي أبعد ما تكون عنها وعن التسليم بها فضلاً عن محاولة احتكار تمثيلها، أو استغلالها لتمرير أجندةٍ تناقضها. إذا استحضرنا في مصر على سبيل المثال تزايد أعداد تسجيل الأحزاب الأصولية بشتى تياراتها في مقابل أحزابٍ أخرى تمثل تياراتٍ مختلفةٍ لا تكاد أعدادها تذكر، ولكن لنأخذ تسميات الأحزاب الأصولية الجديدة هناك أو ما اختارته التيارات الأصولية لها من أسماء لنرى كم هي مثيرة للاستغراب والتعجب. "الإخوان المسلمون" يعلنون عن حزبٍ جديدٍ يمثّلهم تحت اسم "حزب الحرية والعدالة"، ولا يمكن لأيٍ متابعٍ ومراقبٍ أن يصدّق أن "الإخوان " بخطابهم الأيديولوجي وتاريخهم المعروف ومنظومة أفكارهم ومفاهيمهم سينصرون الحريّة بمفهومها الحديث أو العدالة بمفهومها المعاصر، ولئن كان الاستبداد السابق استبداد دولةٍ فقط، فإن استبداد "الإخوان" فيما لو وصلوا لمبتغاهم سيكون أقسى وأخطر، لأنه سيجمع مع استبداد الدولة استبداد الدين، وتلك أخطر الصيغ التي قد يتعرّض لها أي مجتمع كما قال الكواكبي في كتابه طبائع الاستبداد: "وأشدّ مراتب الاستبداد التي يتعوّذ بها من الشيطان هي حكومة الفرد المطلق الوارث للعرش، القائد للجيش، الحائز على سلطةٍ دينيةٍ". للتعليق على كلمة الكواكبي حسب مقاطعها، فالتوريث الجملوكي العائلي أو التوريث في الجمهوريات العربية قد انتهى بفعل الاحتجاجات العربية في مصر وفي اليمن أما سوريا فهو أمر قد حدث بالفعل، ولكنّ التوريث المقبل أخطر فهو توريث أيديولوجي، أي ليس أن يورّث رئيس جمهوري ابنه، بل أن يورّث أخ "أصوليٌ" أخاه في الأيديولوجيا –فقط- لا في الوطن ولا في أي رابطٍ آخر. وأما فقرة الجيش فقصة التحالف الإخواني مع المجلس العسكري في مصر واضحة للعيان وتحدث عنها الكثيرون، وأما عبارة الكواكبي الأخيرة "الحائز على سلطة دينية"، فالإخوان أقلقوا الشعوب والنخب لعقودٍ بمفاهيمهم وأفكارهم التي تستخدم الدين للسيطرة على السياسة والشأن العام برمّته، وبشعارهم المبهم "الإسلام هو الحلّ"، وبشعاراتهم الحديثة الأكثر إيهاماً، كقولهم عن حزبهم الجديد إنّه حزب مدني ذو مرجعية إسلامية، وتراثهم وتاريخهم الذي يقحم الدين في السياسة بكل التناقضات بينهما بهدف الاستغلال والتوظيف يثير المزيد من القلق. لا تتعلق المسألة بالإخوان وحدهم بل بغيرهم من الأصوليات، وليستحضر القارئ أنّ الجماعة الإسلامية في مصر تسعى لتسجيل حزبٍ جديدٍ لا باسم طائفي ولا مذهبي ولا عقائدي ولا ديني، بل اختارت اسماً حضارياً جميلاً وبرّاقاً هو "حزب البناء والتنمية". ومن يعرف الجماعة الإسلامية وطروحاتها قبل المراجعات وبعدها يعلم يقيناً أن البناء والتنمية لا علاقة لها بسلّم أولويات الجماعة، وهكذا فالسلفيون اختاروا اسم "حزب النور" وبعض الشباب المنشق عن الإخوان المسلمين اختار اسم "حزب الوسط". في هذا السياق، ولإيضاح المفارقة، فليتخيّل القارئ، ترى لو سمح لجماعة "الجهاد" بإعلان حزبٍ هل كانت ستسميه "حزب التسامح"، ولو أنشأت "القاعدة" حزباً هل كانت ستسميه "حزب التنوير" وعلى هذا يمكن القياس، فاندياح المفاهيم وسيلان المصطلحات يفصلها فصلاً تاماً عن المعاني والدلالات على أرض الواقع. في جهةٍ أخرى من المشهد، نجد سوريا حيث اختطاف آخر للمفاهيم من قبل النظام السوري، فالشّعب كمفهومٍ حديثٍ أصبح لا يعني في خطاب الأسد سوى مجموعاتٍ مسلّحةٍ وعصاباتٍ إرهابية، والديموقراطية كمفهومٍ حديثٍ أصبحت هي ما يجري في سوريا وما سيطبقه النظام الذي سيقدّم "نموذجاً غير مسبوقٍ" للديموقراطية حسب خطاب وزير الخارجية السوري، لا بل إنّ مفهوماً تليداً مثل "الجغرافيا" بدأ "المعلّم" يتلاعب به حين قال: "سننسى أن أوروبا على الخارطة"! يتحدّث القذّافي عن الثورات والاحتجاجات العربية وكأنه رمز الثورات المطلق وفيلسوفها القديم، ويهتف نصر الله عنها وكأنه مرشدها وقائدها نحو مفاهيم بالية كالمقاومة والممانعة، كما يخطب القرضاوي عنها وكأنّه مشعلها وموقدها، وهكذا يجري المشهد ويكثر المتخطِفون والمختطَفون ويبقى اختطاف المفاهيم معركةً بلا رايةٍ يخوضها من شاء ضد من شاء بلا زمامٍ ولا خطام. معاناة الاقتصاد المصري حقيقة واقعة يشعر بها كلّ مسؤولٍ في مصر أو في الدول العربية الشقيقة لها أو في الدول الأخرى الصديقة، واقتصادها بحاجةٍ ماسةٍ لأي شقيقٍ يعين أو صديقٍ يساعد، ومع هذا تخرج أصوات تهتف بعدم حاجة مصر لهذه المساعدات انطلاقاً من مفهوم الكرامة، لأن مفهوم الكرامة بعد اختطافه وتحويله لشعارٍ أجوفٍ يصبح معناه ألا يقبل الاقتصاد أيّ دعمٍ خارجيٍ أو شراكةٍ أو مساعدةٍ، وكذلك مفهومي الاستقلال والسيادة بعد اختطافهما يصبح معناهما رفض الاستثمارات الأجنبية ونحو هذا. في معمعة هذه الاختطافات يمكننا تسجيل ملاحظتين على عددٍ من الكتّاب والمثقفين والساسة العرب، الأولى: أنّ عدداً منهم بدأوا في الخشية من التعبير عن آرائهم الحقيقية تجاه الواقع والمخاطر العاجلة والمستقبلية بسبب الخوف من الجماهير، بل وصل الحال ببعضهم للمزايدة على خطاب الشارع، وهو يعلم أنّه خطأ وسيؤدي لكوارث. الثانية: أن بعضاً من المثقفين والكتّاب والسياسيين بدأوا في التعامل مع تيارات الإسلام السياسي بمبدأ الخضوع لها رغباً ورهباً، فيتكئون على كلّ كلمةٍ حسنةٍ قالوها في حقّها يوماً، وينسون كلامهم في التحذير منها، لأنهم يحسبون أنّ العصر الأصولي قد أزف زمانه وقربت لحظته، وهم يبحثون عن مكانٍ تحت شمسه بعيداً عن القناعات والمبادئ. لا أجد في خضم هذه الفوضى في المشهد برمّته واختطاف المفاهيم والمصطلحات وشحنها بأضدادها وتسويقها لدى شرائح غير قليلةٍ في المجتمعات لتنقض جذورها ومعانيها الأصيلة ما يمكن أن يعبر عن هذه الحالة إلا قول الشاعر الأندلسي: أسماء مملكة في غير موضعها/ كالهرّ يحكي انتفاخاً صولة الأسد عبدالله بن بجاد العتيبي Bjad33@gmail.com