جائزة "نوبل" للنساء العربيات
لاشك أن منح جائزة نوبل للسلام هذا العام لثلاث نساء كان حدثاً بالغ الأهمية حيث أبرز دور النساء في بناء الديمقراطية، وحطم أفكاراً وصوراً نمطية غربية خاطئة منتشرة على نطاق واسع حول تغييب وتهميش النساء في العالمين العربي والإسلامي، لأسباب يتصور كثيرون أنها تاريخية وثقافية.
وقد كانت إحدى الفائزات الثلاث بنوبل السلام لهذا العام الرئيسة الليبيرية إيلين جونسون سيرليف، على غرار مواطنتها الناشطة السياسية والحقوقية ليما غبويي، وكذلك ناشطة الربيع العربي اليمنية توكل كرمان. وفي الكلمة التي تم فيها الإعلان عن الفائزات الثلاث، قال رئيس لجنة نوبل للسلام النرويجية وهو "ثوربجورن جاغلاند" إن هؤلاء النساء الثلاث فزن "نظراً لنضالهن وكفاحهن السلمي من أجل سلامة النساء وحقهن في لعب دورهن كطرف أصيل معني بقضايا الشأن العام في بلادهن، وفي المشاركة الكاملة في جهود صنع السلام والاستقرار".
غير أن جائزة الناشطة اليمنية كرمان بشكل خاص تنطوي على دروس كثيرة؛ وذلك على اعتبار أنها أول امرأة عربية تفوز بجائزة نوبل للسلام، إضافة إلى أنها تحولت في الحقيقة إلى إيقونة من إيقونات الربيع العربي ورمز قوي من رموزه.
ولدت كرمان، ناشطة السلام والصحافية الشابة (وهي أصغر فائزة بجائزة نوبل للسلام على الإطلاق)، في أسرة مرموقة حيث كان يشغل والدها في السابق منصب وزير العدل في حكومة الرئيس اليمني علي عبدالله صالح. وقد قامت بتأسيس منظمة تدعى "صحافيات بدون قيود" من أجل الاحتجاج على تفشي الرقابة وكافة أشكال التضييق على هوامش حرية التعبير في بلادها. كما تعرضت للسجن لفترة قصيرة في يناير الماضي لقيامها بتعبئة الطالبات في جامعة صنعاء، ولنشاطها الحقوقي والنضالي العام بمعناه الواسع. وتنتمي كرمان إلى "حزب الإصلاح" الذي يعد تنظيماً إسلاميّاً أصوليّاً معارضاً، ويعتبر وجهة مستبعدة بالنسبة لامرأة تعمل في الفضاء العام.
وعلى غرار معظم مواطناتها النساء، كانت كرمان ترتدي نقابا يحجب كامل الوجه، غير أنها قررت في نهاية المطاف استبداله بحجاب يغطي الشعر، بعد أن أدركت أن النقاب يشكل عائقاً أمام التواصل اللازم للتنظيم والنضال في الفضاء العام، وذلك على اعتبار أن التواصل عبر العينين يساعد أكثر على تعبئة الناس ودفعهم إلى التحرك. وبهذه الطريقة، يمكن القول إن الضرورة الثورية تغلبت على التقاليد السائدة، في حالة كرمان على الأقل.
والواقع أنه من خلال قرارها منح الجائزة لكرمان، التي تلقب أحياناً بـ"مرأة اليمن الحديدية"، تكون لجنة نوبل قد حطمت أسطورة خضوع النساء المحجبات لسلطة أشقائهن الرجال، أو قبولهن التنازل والتغييب والتهميش. ولعل ما أكسب توكل كرمان خاصة القبول هو دعوتها إلى مقاومة الظلم والقمع، اللذين يدعي بعض الرجال ممن يتبنون تأويلات غير صحيحة، أن لهما سنداً في الدين أو الثقافة. وإضافة إلى ذلك، فإنها تحظى أيضاً بدعم كامل في نضالها المستميت من زوجها محمد النهمي.
واليوم، تعد كرمان عضواً في "المجلس الانتقالي" للثورة اليمنية، ما سيضمن لها عضوية مستحقة في أية حكومة شرعية مقبلة يتم تشكيلها في اليمن.
والواقع أن اليمن لم يعدم أبداً في تاريخه حضور نماذج من النساء القويات؛ ذلك أنه بلد يفخر بواحد من الأمثلة الأولى لحكم نسائي مباشر عندما حكمت البلاد الملكة أروى (1138-1048) من عائلة الصليحي الشيعية. وخلال عهد جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية السابقة ذات التوجه الماركسي، التي كانت قائمة من 1967 إلى 1990، في جنوب البلاد قبل الوحدة، وهي حكومة كانت النساء فيها يعملن في مناصب بالغة الأهمية مثل القضاء، كما أنهن شاركن في الحروب إلى جانب الرجال، وكن حضرات سياسيّاً بشكل كبير حتى في بعض من أكثر المناطق القبلية محافظة في جنوب اليمن.
والواقع أننا ممتنون للجنة نوبل للسلام النرويجية لأنها ذكَّرتنا بأن الثورة العربية لن تنجح بدون مشاركة للنساء. والحق أن العلمانيين والديمقراطيين والمدافعين عن حقوق المرأة في العالم العربي يدفعون منذ وقت طويل بالفكرة التي تقول إنه ما لم يتم منح النساء مواطنة كاملة، فإن العالمين العربي والإسلامي لن يبلغا الحداثة أو الديمقراطية أبداً.
والواقع أن كرمان تمثل رمزاً إيجابيّاً للعديد من النساء العربيات والمسلمات اللاتي يلعبن دوراً محوريّاً في نضالات ومخاضات الربيع العربي الراهنة القائمة في العديد من بلدان المنطقة. ففي مصر، على سبيل المثال، تعتبر نساء مثل أسماء محفوظ وأمل شرف إضافة إلى أم المدافعات عن حقوق المرأة نوال السعداوي، رائدات في هذا المجال. وفي تونس، ساهم ما لا يعد ولا يحصى من النساء الناشطات في الدفع بثورتهن السلمية إلى الأمام، وكذلك فعلت النساء في كل البلدان العربية الأخرى التي عرفت انتفاضات هذا العام ضمن مجريات الربيع العربي.
والواقع أنه بفضل نساء من هذا النوع الملتزم بقضايا الشأن العام، والحريص على نيل حقوقه كاملة، يمكن القول إن الربيع العربي سيسير بخطى أكيدة نحو النجاح وتحقيق ديمقراطية عربية ناجحة، يأمل أن تكون طريقاً مضموناً للتنمية والاستقرار والازدهار.
غادة هاشم تلحمي
أستاذة فخرية بكلية العلوم السياسية في لايك فوريست كوليدج بولاية شيكاغو الأميركية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة "إم. سي. تي. إنترناشيونال"