لعل أكثر روابط الكلام انتشاراً في الحديث هي كلمات طلب التأكيد، مثل عبارات "أصحيح هذا الكلام؟" بالفصحى، وهي لا تعكس بالضرورة عدم ثقتنا بما نقول أبناء يعرب لبعضنا بعضاً، فما يعادلها بالإنجليزية "REALLY" شائع جداً، وفي اللهجات نستعمل عبارة "عن جد" في بلاد الشام، كأن تقول للبناني بأن هناك من يريد التجديد أو التمديد للرئيس اللبناني الحالي إميل لحود خرقاً للدستور، فيقول لك اللبناني: "عن جد؟". و"بجد" في مصر، مثل أن نقول إنه لا صحة لشائعات توريث الرئاسة في مصر، فيقول لك المصري:"بجد الكلام ده؟".
و"عليك الله" في السودان، كأن تقول لسوداني إن فظائع ترتكب في دارفور منذ شهور فيقول لك: "عليك الله؟". أما في الخليج، فتنتشر كلمة "صج؟"، وهي نتاج إدغام الدال والقاف في كلمة "صدق" ثم قلب القاف جيماً، كأن نقول: "سوف تصوت المرأة الكويتية في الانتخابات البرلمانية القادمة"، فيقول لك الخليجي:"صج؟".
ومثلما أعلاه في اليمن، حيث تنتشر عبارة "أسألك بالله؟"، بحثاً عن التأكيد وعدم التصديق، كأن نقول:"لا صحة لشائعات توريث الرئاسة في اليمن؟"، فيقول لك اليمني: "أسألك بالله؟".
وفي العراق تنتشر عبارة "صُدُق" بضم الصاد والدال، وقد يتبعها "كِذِب" بقلب الكاف جيما فارسية وكسرها، وهاتان الكلمتان تنتشران كالنار في الهشيم في العراق هذه الأيام، بل إنهما أكثر الكلمات تردداً على ألسنة العراقيين وخصوصاً منذ التاسع من أبريل عام 2003 يوم سقوط صدام حسين ونظامه.
والعبارتان متلازمان على شفاه من يتابع أخبار السيد أحمد الجلبي وعائلته وحزبه هذه الأيام، فالتطورات التي تجري في مسيرة هذا الرجل تثير العجب العجاب، فالسيد الجلبي اشتهر بحادثة بنك البتراء في الأردن التي ما أن تستمع إليه يفندها عبر الإعلام حتى تتساءل:"صُدُق؟ كِذِب؟".
ومنها اخترق السيد الجلبي السي.آي. أي الأميركية ثم تغلغل في أوساط الكونغرس الأميركي وهو يقود حملة لإسقاط صدام، ومنها "قاد" البنتاغون نحو بغداد ودخلها بميليشيا حزب المؤتمر الوطني العراقي، وشاع أن يصبح رئيساً للعراق والألسنة تردد:"صُدُق؟ كِذِب؟"
وما هي إلا أشهر قليلة حتى بدأ الحال يتغير بالسيد أحمد الجلبي، فقد هاجمت قوات خاصة مقر حزبه ومنزله ومكتبه بحثاً عن وثائق بعدما ترددت شائعات بأنه عميل مزدوج لإيران، وبأنه كان يعطي معلومات مغلوطة للبنتاغون، الأمر الذي أدى إلى أخطاء شنيعة ارتكبتها القوات الأميركية في العراق.
وما هي إلا أيام حتى ظهر الجلبي في طهران التي قال إنه يقضي إجازة عائلية فيها، ويندد بالاحتلال الأميركي لبلاده، وينفي كل التهم الموجهة إليه والمتعلقة ببنك البتراء أو العمالة لإيران، أو تقديم معلومات مغلوطة للبنتاغون مدعيا بأن البنتاغون يبحث عن كبش فداء يعلق عليه أخطاءه في العراق.
آخر التهم الموجهة للسيد الجلبي كانت تهمة تزوير العملات الأجنبية، وتوجيه مذكرة لحزبه بإغلاق مكاتبه في بغداد، كما وجهت لابن أخيه سالم الجلبي تهمة القتل من قبل أحد القضاة في المحكمة التي يدير شؤونها الإدارية السيد سالم الجلبي نفسه. ومن مقر إقامته في لندن، طلب السيد سالم الجلبي ضمانات للعودة ومواجهة التهم الموجهة إليه، أما عمه أحمد الجلبي فقد عاد إلى بغداد منذ ساعات (وقت كتابة هذا المقال يوم الخميس 12-8-2004) ليواجه التهم التي نفاها وبشدة، وبنفس الشدة يتساءل العراقيون: صُدُق؟ كِذِب؟.