العلاقات الفرنسية- التركية تعاود التصعيد... وتطلعات عالمية لانفتاح "كيم" الجديد! هل ستتمكن أوروبا في النهاية من تحقيق فكرة الحكومة الاقتصادية الموحدة؟ وما هي خلفيات القانون الفرنسي بشأن تجريم نفي "إبادة الأرمن"؟ وأخيراً هل يمكن أن يصبح "كيم جونج أون" هو رجل الانفتاح في كوريا الشمالية؟ ثلاثة ملفات استقطبت اهتمام الصحافة الفرنسية. أوروبا... إلى الوراء؟ تحت هذا العنوان نشرت صحيفة لوموند تحليلاً سياسيّاً خصصته للجهود الأوروبية الرامية لاحتواء المأزق المالي الراهن الذي يتهدد بقاء منطقة اليورو، مؤكدة أن ظواهر الأمور المعلنة الآن قد تبدو خداعة بشكل كبير. ومن ذلك مشروع الاتفاق المالي الجديد الذي كشف عنه منذ يوم الجمعة 9 ديسمبر الجاري، حيث إن المأمول وراء التدابير الجديدة المقترحة لتوحيد السياسات المالية هو أن تتيح إمكانية تطويق التداعيات الكارثية للأزمة المالية الأوروبية الراهنة وفي الوقت نفسه تضمن إمكانية تلافي نشوب أزمات أخرى في المستقبل، وفي النهاية التوصل إلى بناء نوع من الحكومة الاقتصادية الأوروبية الفعالة. ولكن من المتوقع ألا يؤدي التوافق المبدئي الأخير بين الحكومات الأوروبية على سياسات التسيير المالي الصارمة إلى تهدئة الأسواق بشكل كامل، وخاصة أن طريقة إدارة الزعماء الأوروبيين لأزمة الديون السيادية ما زالت في نظر معظم المراقبين دون سقف المطلوب بكثير، بل إنها تضع علامات استفهام كبيرة حول إمكانية استمرار العملة الموحدة، اليورو، من الأساس. ومع هذا لا يمكن أيضاً إنكار طابع الجدية الذي ميز تحركات القادة الأوروبيين الأخيرة، حيث يبدو أنهم استخلصوا دروس الإخفاقات التي منيت بها الوحدة النقدية حتى الآن، في ظل اتساع حرية، وأحياناً أحادية، تصرف الحكومات الوطنية في سياساتها المالية، ولذا اتسع نطاق القبول لفكرة الحكومة الاقتصادية الأوروبية، التي كانت ألمانيا تعارضها بقوة. واليوم بعد عامين من أزمة مالية لا تبدو لها نهاية قريبة في الأفق، تجد البلدان السبعة عشر الأعضاء في منطقة اليورو نفسها مضطرة للاستجابة لضغوط الأسواق، بما يحتم عليها كسر بعض التابوهات بشأن حساسيات السيادة الوطنية الأثيرة لدى معظمها. ويبقى أن نعرف هل سيتمكن القادة الأوروبيون في النهاية من تمرير اتفاقاتهم الأخيرة بشأن توحيد التدابير المالية وفرض معايير صارمة بصددها، وهل سيتم إنجاز هذه المهمة من هنا وحتى شهر مارس المقبل، لكي يتم تضمين فكرة الحكومة الاقتصادية الموحدة في تعديلات الاتفاقية الأوروبية. ومع هذا يلزم الاعتراف أيضاً بأن روح العمل الجماعي والالتفاف على المشروع الأوروبي قد استعيدت مؤخراً إذا استثنينا بريطانيا التي رفضت الانضمام إلى فكرة الحكومة الاقتصادية. وفي الأخير اعتبرت لوموند أن مسعى أوروبا أكثر وحدة، الذي تتحمس له باريس الآن ولا تعارضه برلين، مازال يواجه، مع ذلك، كوابح من النصوص والتشريعات الأوروبية المؤسسة، وهذا ما يقتضي تطوير تلك النصوص والتشريعات لكي تكون رافعة لا عائقاً لتحقيق واستكمال المشروع الأوروبي. الاحتقان الفرنسي- التركي في افتتاحية بصحيفة ليبراسيون تساءل الكاتب فرانسوا سيرجان عن الدافع الذي يجعل البرلمان الفرنسي يقحم نفسه في قضية تاريخية، وخاصة أن هذا الإقحام أدى إلى احتقان غير عادي في العلاقات الفرنسية- التركية المشدودة أصلاً بما فيه الكفاية. وكان البرلمان الفرنسي قد مرر هذا الأسبوع تشريعاً يجرّم نكران ما يسمى بإبادة الأرمن في العقد الثاني من القرن العشرين التي يُزعم أنها وقعت على يد تركيا. وفي هذا المقام تساءل "سيرجان": ما مبرر سعي البرلمان الفرنسي لكي يفرض على الآخرين قيمه وروايته الخاصة لوقائع التاريخ؟ ثم، هل يمكننا تصور رد الفعل الفرنسي لو صدر تشريع تركي مماثل يجرّم نفي واقعة طرد الشرطة الفرنسية لليهود أيام الحرب العالمية؟ إن نص هذا القانون الفرنسي لا يخفى ما فيه من أحكام مسبقة يستبطنها مروجوه ومسوقوه، وفي مقدمتهم العديد من الجماعات الأرمنية. ومع أن ساركوزي كان قد تعهد لأنقرة بوأد هذا القانون، إلا أنه لم يحرك ساكناً الآن عندما جد الجد، لأنه على بعد أسابيع فقط من موعد الدخول في أجواء حملة الانتخابات الرئاسية والتشريعية. ولاشك أن هذا التجريم لنكران "جميع الإبادات" ليس فقط انتهازيّاً وإنما هو أيضاً خطير. ولأن قضايا التاريخ هي من شأن المؤرخين، فإن إقحام التشريعات في هذا المجال مربك وغير مناسب. والمؤرخون أنفسهم يعارضون صراحة هذا النوع من القوانين لأنه يجعل البحث والنقاش حول حقائق التاريخ ممنوعاً تحت طائلة جنائية. وعندما يصبح النقاش ممنوعاً بموجب القانون فهذه هي قمة نفي الرأي الآخر. أما صحيفة لوموند فقد نشرت هي أيضاً حول هذا الموضوع تحليلاً بعنوان: "نفي فرنسي ضد النفي التركي" للكاتبة "كارولين فوريه" قالت في مستهله إن قانون تجريم نفي "الإبادة الأرمنية" يثير ألف سؤال وسؤال، ذلك أن المؤرخين المحترفين، مثل "بيير نورا"، لا يخفون استياءهم من هذا النوع من التشريعات التي أصبحوا يسمونها "قوانين الذاكرة"، والحقيقة أن استياءهم مبرر، لأن هذا النوع من التشريعات إذا ترك له الحبل على الغارب سينتهي معه الأمر بأن يصبح القانونيون هم من يملي نصوص التاريخ. وبعد إيراد الكاتبة لبعض أوجه الاعتراض التركي على القانون، والتهم التركية لفرنسا بارتكاب إبادة في الجزائر، اقترحت على أنقرة التفكير في رد من جنس العمل، فما دام الفرنسيون مرروا فعلاً قانوناً يجرم كل من ينفي على الأراضي الفرنسية "إبادة الأرمن"، فلماذا لا تمرر تركيا، في المقابل، قانوناً يجرم أيضاً كل من ينفي، على الأراضي التركية، إبادة اليهود (بمساعدة الشرطة الفرنسية)؟ فموقف كهذا يضفي على المسألة شيئاً من التوازن، كما أنه أيضاً مناسب وفعال. اللغز الكوري اعتبر الكاتب بيير روسلين في افتتاحية صحيفة لوفيغارو أن وفاة الزعيم الكوري الشمالي "كيم إيل جونج" تفتح مرحلة من عدم اليقين، تثير المخاوف إلى حد بعيد، في شبه الجزيرة الكورية، وخاصة أن شبح التهديد النووي يظلل الدولتين الكوريتين، وبقية دول فضائهما الإقليمي القريب. وفي حالات انتقال سلطة كهذه يحلو للبعض عادة أن يخلد إلى الأماني في أن يكون الزعيم الآتي أكثر انفتاحاً من سابقه، وهذا وارد كفكرة، إلا أن الانتقال قد يكون في الواقع بداية لعهد جديد من التشنج والشد الخطير وغير المسبوق. وقد بات شبه مؤكد أن الزعيم الجديد هو "كيم جونج أون" الذي لا يصل عمره حتى إلى الثلاثين. ولم يقع عليه الاختيار كوريث للزعامة إلا سنة 2010. وليس لديه أدنى خبرة. فهل سيكون بهذه المؤهلات هو رجل التغيير؟ أم أنه سيصبح مجرد دمية تعبر من خلالها مراكز القوى الداخلية عن صراعاتها؟ والأخطر من هذا، هل سيعمد إلى رفع سقف التحدي الخارجي لكي يكتسب بذلك شرعية ثورية؟ لاشك أن الاستسلام للتفكير الرغائبي ضار وخطير في مثل هذه الحالات، والأكثر خطراً أن نتعامل مع أمانينا على أنها حقائق، وخاصة حين ننسب لزعماء أسرى لدعايتهم الخاصة القدرة على التصرف بعقلانية، يقول الكاتب. وللتذكير فقط، فعندما أخفقت حتى الآن جميع المساعي الرامية لإقناع بيونج يانج بنزع أسلحتها، ألم يكن ذلك دليلاً كافيّاً على أن النظام لا يملك أية شرعية للتغيير؟ ثم ما الذي يدعونا للاعتقاد بأن الزعيم الجديد سيكون مستعدّاً لممارسة نوع من الانتحار السياسي من خلال التخلي عن الأوراق التي تجعله أصلاً في صدارة الاهتمام العالمي؟ إعداد: حسن ولد المختار