في سجال معلن على صفحات إحدى صحفنا المحلية، مسؤول حكومي يتهم صحفياًً شريفاً بأنه مرتزق لمجرد أنه انتقد جهة عمله وعرّى الكثير من الحقائق المستترة، وهو دور يناط بالصحفي لأنه عين الوطن الساهرة والمتفحصة والتي تقوم بدور أصيل في فضح الأخطار المستترة.
والغريب أن الموظف صاحب المنصب المرموق، عاب على الصحفي انتقاده، ونسي أنه يمتلك صحيفة تصدر بلغة أجنبية، وتمتلئ هذه الصحيفة الأجنبية - المستهدفة لجمهور الغرباء- بالعديد من الانتقادات للعديد من أنظمة الحكومة، وتعاطيها مع القوانين المعمول بها في أكثر من صعيد!
أليست هي الازدواجية في تفسير الأشياء وفي فهم الأدوار، وهو الفهم المغلوط المبالغ في تفسيراته أحادية الاتجاه.
بمعنى أن صاحب المنصب لن يخجل من إهانة صحفي عرف عنه احترامه لوطنه، وحبه له وانتماؤه الحقيقي، ويجاهر بمعصية الشتيمة، ويناقض ذاته حين تكون صحيفته بوقاً لصوت غريب لأنه يظهر السلبيات، وينسى أن صحيفته تشترك في الإعلان عن عداء بغيض لمثل هؤلاء الغرباء تجاه الدولة وكل رحابتها لأمثالهم.
هي ازدواجية لا تخدم إلا أصحاب المصالح الخاصة، وهي القضية الأساسية في مسألة الانتقاد، لماذا تقاس الأمور دائماً على المستوى الشخصي لا العام؟
فهل كان الصحفي حين تحدث عن تلك الجهة وأظهر الكثير من أخطائها - الوارد حدوثها في أي جهة- مستهدفاً أشخاصاً بعينهم؟ إذا كان الأمر كذلك فقد خسر الصحفي قضيته.
لكن الأمر واضح وجليّ، فالتجاوزات التي تحدث عنها بالأرقام تعني أن عيوباً تحتاج إلى إصلاح، وثقوباً لابد من ترقيعها. فلماذا إذاً تتحول التفاصيل إلى تسطيح وتشكيك وتتهم الشفافية بأنها مغرضة وغير ذات نزاهة حقة!
والأهم في كل هذا وذاك، لماذا يرفض البعض المصداقية في طرح مشاكل جهات عملهم؟ كان يتحتم على ذاك المسؤول أن يشكر الصحفي، لأنه دق ناقوس خطر ربما كان غائباً عنه كما غاب عنه أن دور الصحافة دائماً لابد أن يتسم بالمواجهة والأسئلة التي لابد وأن يكون متمكناً من أدوات إجاباته الدقيقة والتشريحية.
أزعم أنهم - أصحاب المناصب- يحتاجون لدورات تدريبية في كيفية الإيمان بضرورة الشفافية وأهمية وضوح العتمة عن بعض الجوانب التي تثير شهية الغموض في الانجلاء. لأن قضية الاستهزاء بالصحافة وتجريم الصحفي والتشكيك في نزاهته، لعبة قديمة وتأتي بعكس النتائج المرجوة دائماً.
الصدق دائماً ينجي أصحابه، والتشهير لم يعد يؤتي أكله، وخاصة أن الجمهور له عين وأذن وأعلم بكل شيء رغم كل عمليات التجميل وتغيير "اللوك" التي يقوم بها أهل المناصب بمهارة وبراعة طبيب متخصص لجهات عملهم متناسين أن العمر الافتراضي لكل شيء هو السيد وهو صاحب الكلمة الأخيرة.


