تتميز المحاضرات والكتابات الأخيرة للبابا "بنديكت السادس عشر" بالدعوة إلى إحياء منظومة "الحق الطبيعي" المسيحية، كما ظهرت في اللاهوت المسيحي الوسيط عند "توماس الأكويني" و"القديس أوغسطين". لقد اعتبر البابا أن تخلي الفكر السياسي والقانوني الغربي الحديث عن هذه المدونة أفضى إلى تمويه وزعزعة فكرة العدالة كمعيار قيمي مطلق وثابت. وتضاهي فكرة الحق الطبيعي المسيحية أطروحة مقاصد الشريعة في التقليد الإسلامي، التي تشكل اليوم بؤرة تركز كل المشاريع التجديدية لمنظومة التأويل الإسلامية، على اختلاف مشارب واتجاهات ومناهج الفقهاء والمفكرين الذين تبنوها. والواقع أننا أمام مدونة نظرية ومرجعية شديدة الالتباس، تتداخل فيها رؤى ومناهج وخلفيات واستراتيجيات شديدة التباين وإنْ اعتمدت نفس الأدوات المصطلحية ورجعت لنفس المادة العلمية. ويمكن أن نميز في هذا السياق بين تصورين فلسفيين كبيرين لمفهوم "الحق الطبيعي": - التصور اليوناني- الروماني الذي تبناه التقليد اللاهوتي المسيحي الوسيط، الذي يبلغ أوج صياغته لدى الفيلسوف والسياسي الروماني "شيشرون"و الفيلسوف ورجل الدين المسيحي "القديس توماس الأكويني... يقوم هذا التصور على أن الحق الطبيعي هو المعايير التي تطابق ماهيات وجواهر الأشياء، وبالتالي فإنه يصدر عن الحالة الطبيعية الأصلية للإنسان التي هي الحالة التي تجسد جوهره الخلقي العقلي باستقلال عن أي تواضعات اجتماعية. في هذا السياق يميز "القديس توماس الأكويني" بين أربعة أصناف من القانون هي: القانون الأزلي والقانون الطبيعي والقانون البشري والقانون الإلهي. ولئن كان الأكويني يميز بين القانون الأزلي والقانون الطبيعي، إلا أنهما لا يختلفان من حيث المضمون، بل إن الغرض من القانون الأزلي هو تصور قانون مشترك بين الله والإنسان، بحيث "يمتثلان" كلاهما له ما دام القانون الطبيعي يصدر عن العقل في ذاته. فالقانون الطبيعي ليس من إنشاء البشر ووضعهم، بل هو تعبير عن الطبيعة الإنسانية، أي طبيعة الإنسان الذي خلق على صورة الإله وأخذت شكل حالة اجتماعية طبيعية. - التصور الحديث للحق الطبيعي: نلمس هذا التصور لدى هوبز وسبينوزا وروسو، ويقوم على تصور مغاير للطبيعة والحالة الاجتماعية، بالانتقال من ميتافيزيقا الجوهر إلى أنطولوجيا القوة. فالقانون الطبيعي من هذا المنظور، ليس هو ما يطابق ماهية الشيء، بل هو ما يستطيعه الشيء، ومن ثم فإن حالة الطبيعة هي حالة ما قبل اجتماعية يتماهى فيها الحق مع القوة، كما أن الحق سابق على الواجب والبشر متساوون في حقوقهم يصوغون قوانينهم بمحض إرادتهم الحرة وليس وفق معرفة عقلية سابقة. وهكذا يتضح الفرق الجوهري بين مذهبي الحق الطبيعي القديم والحديث، عبر التمايز بين صياغة قانونية لرؤية أخلاقية للعالم وصياغة قانونية للأخلاق. تساءل المفكر القانوني التونسي "عياض بن عاشور"حول إمكانيات استنتاج تصور للعدالة الطبيعية كأساس عام للقانون في المدونة الأصولية والفقهية الإسلامية، متوقفاً عند بعض نصوص العز بن عبد السلام والطوفي والشوكاني التي تسمح بتأكيد اقتراب بعض علماء الإسلام من فكرة الحق الطبيعي بمعنى اعتبار الطبيعة والعقل أساساً للمعيارية الشرعية . في هذا الباب، ينزع البعض إلى تقريب مذهب الحق الطبيعي المسيحي من نظرية التحسين والتقبيح الاعتزالية، باعتبارهما يقومان على نفس الفكرة المشتركة: المنزلة الموضوعية العقلانية للقيم في مقابل التصور الأشعري الذي يرجع الوضع المعياري للقيم إلى الأوامر الشرعية. وبدون الخوض في هذا النقاش الكلامي تناولناه في مواضع أخرى، نكتفي بالإشارة إلى أن المدارس الكلامية الإسلامية تتفق في رفض التصور الطبيعي الذاتي أي إرجاع العلة النهائية للموجودات والمعايير إلى العالم الطبيعي المكتمل بذاته، ومن ثم لم يكن بإمكانها اعتماد مذهب الحق الطبيعي في نسخته اليونانية - الرومانية التي كانت معروفة ومألوفة لدى فقهاء الإسلام. وإذا كان مذهب التحسين والتقبيح في أبعاده الكلامية والأصولية لا يمكن أن يؤسس لنظرية الحق الطبيعي في التقليد الشرعي الوسيط، فإن أطروحة مقاصد الشريعة في بعديها القيمي الأخلاقي (العز بن عبد السلام) والأصولي (الجويني والغزالي والشاطبي)، لا يمكن أن تؤسس لفكرة المرجعية الذاتية للمعيارية القانونية. نلاحظ هنا أن أول محاولة لاستيعاب مبدأ الحق الطبيعي في أطروحة مقاصد الشريعة تمت على يد الفقيهين المصلحين التونسي "الطاهر بن عاشور" والمغربي "علال الفاسي" في كتابيهما اللذين يحملان العنوان نفسه "مقاصد الشريعة" ويتشابهان في الآراء والمرجعيات. يدخل مفهوم "الفطرة" جسراً للربط بين النسق الأصولي القديم ومذهب القانون الطبيعي الحديث في اتجاهيه الإنساني (مبدأ الذاتية الراشدة المسؤولة) والتعاقدي (إناطة الشرعية المعيارية بالتوافق الاجتماعي الحر القائم على المساواة الأصلية). لا يتعلق الأمر هنا بتصور المفسرين والفقهاء الأقدمين لمفهوم الفطرة (دين التوحيد الأصلي أو الحق قبل التبديل)، وإنما بمفهوم جديد للفطرة وفق الدلالة المألوفة في فكر التنوير الأوروبي، الذي تؤطره قيم الحداثة من عقلانية تجريبية ونزوع تاريخاني ونظم مدنية ودستورية. وإذا كانت مقولة "الفطرة" شكلت الإطار النظري لاستنبات مقاربة إسلامية دنيا للحق الطبيعي الحديث، إلا أن هذا الاستيعاب تم بمنأى عن السياق الفلسفي، ولم يتجاوز دمج قيم تنويرية وحداثية في صلب النسق التأويلي الإسلامي (المدونة الكلامية الأصولية). نبه المفكر المغربي "عبد الله العروي" في توطئته لترجمته مؤخراً لأحد نصوص الفيلسوف الفرنسي روسو بعنوان "دين الفطرة" إلى نقاط تشابه كثيرة بين تصور روسو للفطرة والتصورات الإسلامية المألوفة، بل إنه ألمح إلى أن روسو لم يكن معادياً للإسلام بل "إنه ربما أدرك أن مفهوم دين الفطرة أقرب إلى عقيدة الإسلام منه إلى اليهودية أو المسيحية". وإذا كان العروي لا يبني نتائج على هذا التشابه الظاهر في الآراء، "فالمنظور قد يكون واحداً ولكن المنظور مختلف"،كما أنه يحذرنا من قراءة روسو من "خلال منهجية الإصلاح الإسلامي"، إلا أننا نعتقد أن هذا التشابه شكل خيوط الوصل المطلوبة بين المدونة التراثية ومنظومة الحق الطبيعي الحديثة.