في تبيان معنى "الاستبداد"
لم يُخلق على هذه الأرض شر مستطير أكبر وأكثر من الاستبداد، فما أن يطل برأسه حتى ينهش جسد المجتمع وروحه بلا هوادة، ليهز البنيان، ويقوض الأركان، ويترك وراءه خراباً فادحاً، وعوزاً قاهراً، وقهراً متغلباً، وهمماً فاترة ونفوساً حائرة، وحزناً دفيناً.
في الغالب الأعم، جُبلت النفس الإنسانية على "الفجور" وكانت "التقوى" هي الاستثناء دوماً، وسعى الفجار، حين تغلبوا، إلى فرض إرادتهم على غيرهم، متحصنين بكل أسباب التجبر، وساعين إلى حرمان الآخرين من كل ما يمكنهم من نيل حقوقهم، والانتصار لحريتهم، وتعزيز كرامتهم.
وبعض الذين أفرطوا في الحديث عن "التقوى" و"خشية الله" نسوا كلامهم، وحنثوا بقسمهم، وخانوا عهودهم، بعد أن صدأت قلوبهم، حين جلسوا على كراسي الحكم طويلاً، فصارت أقوالهم عن العدل والرحمة حروفاً تطير في الهواء، بينما بقيت أفعالهم عن الظلم والقسوة واقعاً يعانيه الناس فوق التراب وأمام الريح.
وطيلة القرون الغابرة والعالم لا يعرف من الحكم إلا المستبد، تارة باسم السماء، وأخرى بالتغلب والقهر سواء بالجند أو العصبة، فلم يكن هناك حكم ومحكومون، لا حقوق لهم إلا ما يجود به الحكم، ولا حريات لها إلا بقدر ما يغفل عنه، أو يتركه عفواً أو استهانة.
وقد حلم الإغريق الأقدمون بنظام حكم يأخذ في الاعتبار مواقف الناس وآراءهم ومصالحهم، فأوجدوا ديمقراطية أثينا، وجنح بهم الخيال إلى التطلع للمدينة الفاضلة، ولكن هزيمتهم أمام أسبرطة ذات الحكم العسكري أفقدتهم الثقة في ديمقراطيتهم. وأعطى الرومان أيضاً مجلسي الشيوخ والنواب قدرة على مراقبة أعمال القيصر، وتعيينه في حال الطوارئ لمدة ستة أشهر على الأكثر، ولكن القياصرة كانت في أيديهم سلطات واسعة، وكان مجتمعهم يقام على أكتاف العبيد من كل لون، وكل حدب وصوب.
وصنع المسلمون الأوائل قفزة هائلة بمنطق عصرهم وظروفه وأحواله، حين حدد الخليفة عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، ستة أشخاص ليختار الناس منهم حاكمهم. وحتى حين تحولت "الخلافة الراشدة" إلى "ملك عضوض" لم يكن الحاكم يتمتع بشرعية إلا بعد "بيعة" الأمة له، وهذه البيعة تدهورت إلى أن صارت أمراً شكلياً بحتاً، لكنها ظلت خطوة نحو أخذ رأي المحكومين في الاعتبار، ثم أخذت الدائرة تضيق حول من يؤخذ رأيهم فيمن يجلس على العرش، وظهر "ذهب المعز وسيفه" وتأرجح الناس بين المغارم والمغانم، كل على حسب موقفه وموقعه من السلطة، ونشط منتجو "الآداب السلطانية" التي إما أنها بررت للسلطان فعله فقهياً وبلاغياً واجتماعياً، وإما حاولت نصحه بمواربة ومداراة وتحايل.
وبلغ الأمر سوءاً إلى درجة أن الغربيين أفرطوا في الحديث عن ظاهرة "الاستبداد الشرقي"، التي لم يبرحوها هم إلا في القرون الثلاثة الأخيرة، بعد أن ظلوا قروناً يرزحون تحت أغلال التحالف البغيض بين السلطتين الدينية والزمنية، أو الملوك وبابوات الكنيسة. ولكن دخول أوروبا عصر النهضة والأنوار بعد الثورة الإنجليزية 1688 وبعدها الثورة الفرنسية 1789 وإبرام "عقد اجتماعي" بين الشعب والسلطة، جعلها تنفض عن جسدها غبار استبداد القرون الوسطى، بينما ظل الشرق بما في ذلك بلاد الصين والهند، يعاني طغياناً مقنعاً مستمراً فادحاً وجارحاً. وقد اقتنع أغلب الناس لهذا وظنوه قدراً لا فكاك منه، ولم يحلموا بأكثر من أن يتمتع المستبد بقدر من العدل، ويرعى مصالح الخلق، ويتفهم حاجاتهم الإنسانية المتجددة.
وقد عرفت القواميس السياسية الحديثة والمعاصرة مصطلحاً أكثر إجرائية وتحديداً للاستبداد، وهو "الديكتاتورية" التي تعني حكم الفرد المقترن بالتعسف، وقد يكون حكماً عسكرياً ينشأ حين يتمكن الضباط وجندهم من الاستيلاء على السلطة، وقد يكون حكماً مستنداً إلى طغيان الحضور الشخصي لزعيم يحظى بجماهيرية جارفة وكاسحة، على الأقل في بداية الجلوس على الكرسي الكبير، والتنعم بصلاحياته المفرطة.
ولا يرتبط الاستبداد بالسلطة في أعلى مراتبها، أي بما يقوله ويفعله الجالسون على العرش أو الكراسي الوثيرة العريضة الكبيرة، بل إنه يطاردنا في جنبات الحياة الوسيعة بلا هوادة، وبقسوة ضارية. فالعامل قد يرى الاستبداد متجسداً أمامه في سلوك صاحب العمل، وفي اللوائح التي تحكم العلاقة بين الطرفين وتهندسها بغلظة. والفلاح قد يلفاه في صلف مهندس الري أو موظف "الجمعية الزراعية" الذي يكلمه من طرف أنفه ويقرر ما يضنيه، ويجده الموظف في تعنت رئيسه المباشر، ومديره العام، ورئيس مجلس الإدارة المسلح بصلاحيات مفرطة، وقد يقابله مشترٍ من بائع جلف في السوق، ولاعب من مدربه، وزوجة من زوجها المتغطرس، وابن من أبيه الذي يتصور أنه ما دام قد أنجبه، فقد ملك كيانه ومصيره. ويتحدث العشاق أيضاً عن استبداد الشوق والوله بهم، لا يستطيعون منه مهرباً ولا فكاكاً، وقد يستعذبون عذابه، ويستلذون باستحكامه، طواعية وعن طيب خاطر، وهذا هو الاستبداد الوحيد الذي لا يشكو منه الناس، وإن ضجوا منه عادوا إليه راغبين مرحبين.
ومن أجل هذا يكون البشر دوماً نازعين إلى التحرر من قيود لا تنتهي، ما إن يفكوا واحداً حتى يجدوا الآخر، بلا نهاية ولا انقطاع، حتى لو كان مصدر الاستبداد هو الغرائز الجامحة، والرغبات الطافحة، والميل الدائم إلى تحصيل المزيد من القوة والثروة والجاه. ومن أجل هذا يقول الواقعيون إنه لا توجد حرية كاملة، ولا تحرر دائم، فالإنسان "خلق في كبد" وسيظل كادحاً إلى ربه كدحاً حتى يلاقيه.
ولكن هذا لا يعني بأي حال من الأحوال أن نستسلم للاستبداد ومنتجيه وموزعيه، بل إن علينا الانتصار للحق والخير في الحياة الدنيا، انتظاراً للجزاء في الآخرة من رب العباد، الذي تنبئنا تعاليمه في جوهرها الأصيل والدفين بأن وزر المظلوم الساكت على الظلم لا يقل عن وزر الظالم.