فيليبي السادس: إنقاذ الملكية الإسبانية وإسبانيا!
ارتدت العاصمة الإسبانية حلتها وتزينت بالزهور استعداداً للملك الجديد الذي يبدأ مهمته الصعبة لانتشال صورة العائلة المالكة وإنقاذ إسبانيا المهددة بأزماتها المركبة. فقد أصبح فيليبي، الخميس الماضي، ملكاً لإسبانيا، بعد أن أدى اليمين خلفاً لوالده خوان كارلوس الذي وقّع الأربعاء قرار تخليه عن العرش بعد حكم استمر 39 عاماً، في حدث غير مسبوق منذ عودة إسبانيا إلى الديمقراطية عام 1978. وبدا كارلوس متأثراً وهو يوقع قانونه الأخير، والقاضي بتخليه عن العرش، خلال حفل في القصر الملكي بمدريد، حضره نجله فيليبي الذي عانقه ليصبح فيليبي السادس وملك إسبانيا الجديد، ولتصبح زوجته ليتيزيا أول ملكة إسبانية تتحدر من عامة الشعب وليس من سلالة ملكية.
ويمثل فيليبي لإسبانيا الأمل في تجديد نظام ملكي فقد مصداقيته وبات نصف الإسبان يعارضونه، وفي الحفاظ على وحدة وطنية تهددها اندفاعة الانفصاليين في كاتالونيا، بينما أدت الأزمة الاقتصادية مقرونة ببطالة قياسية إلى فقدان الثقة في المؤسسات. فمن هو فيليبي السادس؟ وكيف ينظر إليه مواطنوه الإسبان؟
فيليبي السادس، المولود في مدريد عام 1968، هو الطفل الثالث والابن الوحيد للملك خوان كارلوس الأول الذي تولى العرش في إسبانيا منذ عام 1975، وينحدر من عائلة بوربون الفرنسية الملكية العريقة التي حكم أعضاء منها عدة عروش في أوروبا، ومنهم فيليبي الخامس، أول ملك بوربوني حكم إسبانيا عام 1700. لكن البوربونيين الإسبان أطيح بهم وعادوا للحكم عدة مرات، آخرها كانت في عام 1975 مع خوان كارلوس الذي تم تنصيبه بعد يومين على وفاة الديكتاتور فرانكو. أما والدة فيليبي السادس فهي الملكة صوفيا المنتمية هي أيضاً إلى عائلة ملكية أوروبية أخرى، ألا وهي عائلة أولدنبوزع الحاكمة سابقاً في اليونان. ووالدها هو الملك بول الذي حكم اليونان بين عامي 1947 و1964، ثم خلفه ابنه الملك قسطنطين الثاني قبل إلغاء الملكية وإعلان الجمهورية في اليونان عام 1974.
وقد تلقى فيليبي تكويناً عسكرياً وأكاديمياً جيداً، داخل إسبانيا وخارجها، حيث خضع لتدريبات عسكرية في الأكاديمية العسكرية بسرقسطة، وفي المدرسة البحرية العسكرية، وفي الأكاديمية الجوية. ثم تولى عدة مهام في السلك العسكري، حيث أصبح قائد فيلق مشاة، وقائد وحدة مشاة بحرية، ثم قائداً في الهيئة العامة للقوات الجوية. لكن قبل وبعد الانتهاء من تدريباته العسكرية، درس فيليبي القانون في جامعة مدريد المستقلة وتخرج فيها، ثم حصل على درجة الماجستير في العلاقات الدولية من جامعة جورج تاون في الولايات المتحدة. وإلى ذلك فهو يتقن عدة لغات إلى جانب الإسبانية (لغته الأم)، مثل الكاتالونية والفرنسية والإنجليزية والألمانية والإيطالية واليونانية. ومن أحب الهويات إليه رياضة التزلج، وكان خلال دورة الألعاب الأولمبية لعام 1992 قائد الفريق الأولمبي الإسباني، حيث شارك في مسابقة الإبحار، واحتل المركز السادس فيها.
أما أول لقب حمله فيليبي بعد مولده فهو صاحب السمو الملكي فيليبي دي بوربون وغريسيا ولي عهد إسبانيا. ثم أضاف إليه في يناير 1977 لقب أمير أستورياس. وفي اليوم الذي أكمل فيه 18 عاماً، قام بأداء اليمين الدستوري الإسباني، تأكيداً على الالتزام بالديمقراطية والتقاليد الملكية الإسبانية.
ويعرف عن فيليبي، صاحب المظهر الأنيق والقامة الطويلة (نحو 2 متر) والملامح الجدية (رغم ابتسامة تعلو وجهه على الدوام)، أنه يعتمد أسلوباً معاصراً ويميل للابتعاد عن الأضواء. وقد حرص طيلة السنوات السابقة على إرساء صورة ولي عهد قريب من الشعب مع أسلوب عصري يتسم بالبساطة. ومما ساهم في تعزيز هذه الصورة زواجه في عام 2004 من الحسناء الأنيقة ليتيزيا أورتيس، وهي صحافية من عامة الشعب ومطلقة، ما شكل سابقة في تاريخ الملكية الإسبانية.
ويبدو فيلبي أكثر تحفظاً من والده الذي عانى من الفضائح والنكسات في الفترة الأخيرة من حكمه، لذلك فقد حظي في استطلاعات الرأي العام الإسباني بنسبة تأييد بلغت 66 في المائة، مقارنة بـ41 في المائة فقط لوالده. ولعل ذلك مما جعل كارلوس يعلن، في الثاني من يونيو الجاري، نيته «إفساح المجال للجيل الجديد»، مشيراً إلى أنه قد حان الوقت لابنه الأمير فيليبي الذي بلغ من النضج ما يكفيه، كي يتولى العرش ويتحمل المسؤولية كاملة تجاه بلاده. وفي الحادي عشر من الشهر ذاته، صادق مجلس النواب الإسباني على تنازل الملك، ثم أقره مجلس الشيوخ في يوم السابع عشر، وبعدئذ وقّع كارلوس قرار التنازل ليدخل حيز التنفيذ فور نشره في الجريدة الرسمية، حيث أصبح الأمير فيليبي ملكاً لإسبانيا تحت اسم «فيليبي السادس»، يوم الخميس الماضي، وأدى القسم في اليوم نفسه أمام ممثلي الشعب، وقال في أول خطاب له أمام البرلمان: «نريد لإسبانيا أن تعيد ثقة كافة المواطنين في مؤسساتها، ليشعر كل فرد بانتمائه حقاً إلى هذه الأمة»، مؤكداً «إيمانه بوحدة إسبانيا» حيال تصاعد النزعة الانفصالية في كاتالونيا. كما وعد بملكية «نزيهة وشفافة» بعد الفضائح التي لطخت الأسرة المالكة، وكان أخطرها خضوع كريستينا، شقيقة فيليبي، للتحقيق في قضية احتيال ضريبي وتبييض أموال. كما أكد أنه سيحكم بـ«نزاهة وشفافية»، وأشاد بوالده وبدوره في «مصالحة الإسبان» بعد دكتاتورية فرانكو.
ورغم أن منصب الملك لا يحظى بأي صلاحيات تنفيذية أو تشريعية في إسبانيا، فإن أول ملف ساخن سيتعين على فيليبي السادس معالجته هو النزعة الانفصالية في كاتالونيا، وذلك قبل أشهر من استفتاء لتقرير المصير قرر القوميون تنظيمه هناك في نوفمبر القادم. كما سيتعين عليه التعامل مع آثار الفضيحة التي لطخت القصر الملكي جراء اتهام شقيقته كريستينا بالتهرب الضريبي. هذا فضلا عن تزايد معارضي الملكية بين الإسبان، وكذلك الأزمة الاقتصادية التي أوصلت نسبة البطالة إلى 26 في المئة وتهدد بجر إسبانيا خارج منطقة اليورو وإلى إعلان الإفلاس. لكن رغم شعبية فيليبي السادس إلى الآن، فإن هذه الأزمات مجتمعة لا تترك له هامش حركة كافيا لانتشال صورة الملكية الإسبانية وإنقاذ إسبانيا.