الإصلاح والتجديد محور اهتمام رواد النهضة الإسلامية الحديثة، خاصة لدى جمال الدين الأفغاني وتلميذه محمد عبده. وهؤلاء هم رموز تيار لم ينقطع عطاؤه في تاريخ الإسلام الحديث والمعاصر. وهناك سمات أربع لفكر الإصلاح العربي الإسلامي، كما يبينها رفيق العجم في كتابه «أثر الخصوصية العربية في المجتمعية الإسلامية» أولها أن فكر الإصلاح والتجديد الذي نشأ عند العرب والمسلمين حديثاً لم ينفك عن بنية المعرفة المجتمعية القائمة والمتجددة بعمقها وأغوارها. وثانيها أن هذا الفكر قد تشعب إلى شعبتين، إحداهما اعتمدت على الذات والموروث الثقافي، والأخرى انطلقت من موروثها ولكنها تأثرت بما لدى الغير، أو بالوافد الثقافي. والثالثة أن هاتين الشعبتين لم تخرجا عن الخصوصية العربية في طبعها ونموذجها، على رغم الاختلاف الظاهري بينهما. أما الرابعة فإن حركة التجديد العربية لم تختلف عن نظيرتها الأوروبية فحسب، بل أيضاً اختلفت عن حركة التجديد والإصلاح التي قامت بها طائفة العقليين من المصلحين الهنود، الذين كان همّهم الأول منصرفاً إلى الحركة الثقافية، وإلى التوفيق بين الإسلام وبين مطالب المدنية الأوروبية الحديثة. وإن كانت الحركتان قد اتفقتا على أن الإسلام دين عام وعالمي يناسب كافة الناس، ويلائم جميع العصور والثقافات. وقد شغل جمال الدين الأفعاني نفسه بسبل النهوض بالواقع الاجتماعي للعالم الإسلامي، أكثر من اهتمامه بالمسائل العقَدية، وكان يقرن النصر بتحقيق الإصلاح السياسي والإصلاح الديني في آن، ورأى أن كلاً منهما مكمل للآخر. وعلى النقيض من هذا اقتنع محمد عبده بأن الإصلاح الديني والعلمي والتربوي يمكن أن يتم بمعزل عن الإصلاح والتجديد السياسي، ومال إلى أن إصلاح الفرد والمجتمع مكمنه في إصلاح المؤسسات التربوية كالأزهر والمدارس والمساجد وجمعية التقارب بين الأديان. وبينما كان الأفغاني سياسياً ومفكراً ثورياً، لا يقبل الحلول الوسط، وينظر إلى الشعوب الإسلامية من غانة إلى فرغانة باعتبارها كتلة واحدة متكاملة، كان عبده يردد: «خلقت لكي أكون مدرساً». لقد كان الأفغاني يؤمن بأن الإصلاح والتجديد يمكن تحصيله في التو، شرط العمل من أجل بلوغه، أما الثاني فرأى أن الإصلاح والتجديد عملية متدرجة، تتحقق بعد مدة، ولذا هادن الاستعمار الإنجليزي، خارجاً على ثورية أستاذه الذي نادى بالكفاح ضد الاحتلال. وخالف عبده الزعيم أحمد عرابي الرأي حول التحول إلى الحكم النيابي الدستوري، محبذاً البدء بالتربية والتعليم لتكوين رجال قادرين على القيام بأعباء الحكم النيابي، وتعويد الناس على البحث في المصالح العامة، بما يقود في نهاية المطاف إلى حمل الحكام على العدل والإصلاح. وبلور عبده، بشكل أكثر جلاء، رؤيته المنحازة إلى التدرج في التجديد والإصلاح في طلبه من الأفغاني، وهما في باريس عام 1883، أن يذهبا سوياً إلى مكان غير خاضع لسلطان دولة تعرقل مشروعهما الإصلاحي التجديدي، ليؤسسا مدرسة للزعماء، يختاران تلاميذها من الأقطار الإسلامية، ويقومان بتربيتهم لمدة معينة، ليصبحوا بعدها مؤهلين لقيادة التجديد في بلدانهم. ولكن الأفغاني، الذي كان متعجلاً، رفض هذه الفكرة «الطوباوية»، التي أعيد إنتاجها، بشكل مختلف، ولمقصد مغاير، داخل الحركات الإسلامية، وهي تتأسس على تأويل ذاتي لحدث الهجرة النبوية الشريفة، ينزعه من سياقه التاريخي والاجتماعي. وفي نظر عباس محمود العقاد فإن ما بين الأفغاني وعبده من اختلاف في تقدير زمنية الإصلاح يعود في نظر العقاد إلى «اختلاف الفطرة والاستعداد بين هذين الإمامين العظيمين، فأحدهما خلق للتعليم والتهذيب، والآخر خلق للدعوة والحركة في مجال العمل السياسي والثورة الأممية». وربما وزعت الفطرة كلاً منهما على مسلك مغاير للآخر، فالأفغاني يعول على الجماعة، وينادي بالثورة، ويمارس السياسة من أوسع أبوابها، ويقطع بعدم التعاون مع المستعمر، أما عبده فيعول على الفرد، ويسعى إلى تقوية العاطفة الدينية، ويتوخى التربية سبيلاً إلى بلوغ الهدف ويكره على التوازي السياسة، فيستعيذ بالله من «ساس ويسُوس»، ولا يرفض التعاون مع المستعمر إن كانت المصلحة تقتضي ذلك. ويرى المفكر الجزائري مالك بن نبي أن الوضع الأفضل يقتضي المزاوجة بين أفكار الأفغاني وعبده، ويقول: «لو استطاعت المدرسة الإصلاحية أن تقوم بتركيب أفكارها وتجميع عناصرها بحيث توحد بين أفكار الأصول التي ذهب إليها الشيخ محمد عبده، وبين الآراء السياسية والاجتماعية التي نادى بها السيد جمال الدين الأفغاني، لكان هذا سيؤدي حتماً إلى طريق أفضل من مجرد مبادئ إصلاح العقيدة». وقد تحقق هذا مع عبدالرحمن الكواكبي الذي اتبع في آن عدة أساليب في الإصلاح والتجديد تراوحت بين الميل إلى القوة والثورة والاقتناع بالهدوء والانتظار، وبينهما التدرج في التجديد والإصلاح عبر تجهيز الرأي العام لقبول التغيير والإيمان بضرورته. وآمن الكواكبي بأن الإصلاح الديني هو الأصل والمنشأ لأي عملية إصلاح وتجديد، سياسية أو اجتماعية، لأن الاستبداد يبدأ في نظره دينياً ثم يمتد إلى المجالات الأخرى، ولأن الدين إن صلح تصلح السياسة وغيرها. ولا يعني هذا أن الكواكبي قد نادى بإرجاء التجديد السياسي حتى يتم إصلاح الدين، بل دعا إلى أن يتم الاثنان في وقت واحد. وزاوج الكواكبي بين الفكر والممارسة، فأنتج العديد من الكتب في مطلعها «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد» وكوّن جمعية «أم القرى» ووضع خطة ثورية لقلب نظام الحكم العثماني المطلق في بلاد العرب وإقامة حكم قومي على أساس الشورى، يقف على أكتاف «جمعية حكماء» تحرض الجماهير على المقاومة. وسار عبدالحميد بن باديس في الجزائر على الدرب نفسه، حيث لعب دوراً سياسياً مهماً في سبيل استقلال وطنه، جنباً إلى جنب مع دوره التربوي، وسلك الطريقين بغية الحفاظ على هوية بلاده، التي كانت فرنسا تسعى إلى مسخها وإزالة أصولها، ودمجها في الجمهورية الفرنسية. فابن باديس ركز طيلة حياته على محاربة البدع، وتجديد الدين بربط الفروع بالأصول، والتربية والتعليم، وإعداد «القادة القرآنيين»، وكان يتفق مع محمد عبده في ضرورة أن ينطلق الإصلاح من التغيير النفسي، إذ يقول: «إن الذي توجه إليه الاهتمام الأعظم في تربية أنفسنا وتربية غيرنا هو تصحيح العقائد وتقويم الأخلاق، فالباطن أساس الظاهر». وكان في الوقت نفسه يتفق مع الأفغاني في ثوريته، بعد أن ضاق ذرعاً بالاستعمار، وانتابه خوف شديد على هوية الجزائر، وها هو يقسم: «والله لو وجدت عشرة من عقلاء الأمة الجزائرية يوافقونني على إعلان الثورة لأعلنتها». ولكن هذه المسيرة توقفت وتحتاج الآن إلى إحيائها، بل تجاوزها إلى غربلة التراث بشكل علمي، وربط الفقه بالواقع، وإعمال العقل، والانحياز إلى مصلحة الناس، وفصل الدعوي عن السياسي، وإنتاج خطاب ديني ينشغل بالامتلاء الروحي والسمو الأخلاقي والنفع العام.