استكمالاً لمقالنا السابق حول «تراجع دور الدول.. لماذا وكيف؟»، مقابل صعود نجم وتأثير اللاعبين من غير الدول، سنعرض في مقال اليوم بشكل عام لمستقبل دور المنظمات والحركات والشركات العابرة للحدود والقوميات والأديان، وتأثير ذلك كله على أمن واستقرار النظامين الإقليمي والدولي. وقد تواترت مؤخراً في أدبيات العلاقات الدولية مناقشة دور وتأثير الفاعلين من غير الدول، حتى إن دورية «فورين أفيرز» الأميركية العريقة وصفت في دراسة صدرت قبل سنوات اللاعبين من غير الدول بأنهم أشبه بدور «الميزانين» وهو الدور الواقع بين الطابق الأرضي والطابق الأول في المباني! في إشارة إلى دور وسيط بين المجتمع والدولة.. ولعل مما يكسب اللاعبين من غير الدول مكانة وحضوراً أكبر تعدد الأدوار التي يلعبونها سواء أكانوا منظمات حكومية أو غير حكومية أو شركات عابرة للقارات مثل الأخوات السبع (في مجال النفط)، والمجمع الصناعي العسكري، وشركات التكنولوجيا والأجهزة الذكية، ووسائط التواصل الاجتماعي مثل «يوتيوب» و«فيبسبوك» و«تويتر» و«واتس آب» وغيرها كثير.. وقد أصبح الفرد العادي أحياناً أكثر إلماماً ومتابعة ووعياً بما يدور من حوله من بعض مؤسسات الدول بأنظمتها وأجهزتها ومركزيتها القادرة على الإمساك بزمام الأمور. وقد قلص اللاعبون من غير من الدول من حجم سيادة الدول وسيطرتها على شؤونها في بعض الأحيان، ولم تعد مثلاً قادرة على إجبار مواطنيها على متابعة إعلامها وفضائياتها وصحفها، وما تسمح به من كتب في معارض الكتب السنوية التي تقيمها في عواصمها. وقد نجحت التكنولوجيا الحديثة التي يزداد تطورها وتتراجع أسعارها ويصغر حجمها، ويتعاظم ذكاؤها وسرعتها وانتشارها حتى في أيدي طلبة المرحلة المتوسطة، وساهمت في تمكين الأفراد والجماعات من منافسة وأحياناً تحدي الدول وخاصة في أوقات الاضطرابات والصراعات.. وقد رأينا ذلك لأول مرة في كسر سيطرة الإعلام في إيران خلال الاحتجاج على نتائج انتخابات الرئاسة الإيرانية في عام 2009. وتكرر ذلك أيضاً في ثورات ما سمي «الربيع العربي» وخاصة في تونس ومصر حيث سميت ثورتاهما بثورتي «التويتر» و«الفيسبوك».. وشكل كل ذلك تحدياً من تحديات المرحلة الراهنة. واليوم بات لازماً على الدول التعامل مع التكنولوجيا الحديثة ووسائطها الاجتماعية وتطبيقاتها الذكية بشكل فعال وخلاق حتى لا تتخلف وتسقط في سباق التطور والتقدم، ولتستفيد أيضاً من فرص التحول إلى مراكز جذب تجارية وثقافية وعلمية جاذبة للشركات والمؤسسات والجامعات والمراكز البحثية. ويشير التقريران الاستراتيجيان الصادران عن مجلس الاستخبارات الوطني الأميركي في عامي 2008 و2012 إلى التحول المستقبلي في العلاقات الدولية المترتب على صعود قوة وتأثير اللاعبين من غير الدول، وهو صعود يعقـّـد العلاقات الدولية ويزيدها إبهاماً وعدم يقين بسبب عدم مركزية، وأحياناًَ عدم موثوقية، هذا النوع من اللاعبين غير الرسميين. وفي العالم المستقبلي الذي يزداد فيه تأثير الفاعلين من غير الدول لن تختفي الدول بطبيعة الحال، بل ستتعايش مع دور اللاعبين الجدد، وتتكيف مع التحولات والتحديات. وسيتعين على أولئك اللاعبين أنفسهم التكيف قدر الإمكان مع الظروف لئلا تفقد الدول المزيد من مركزيتها وتأثيرها وسيادتها وخاصة الدول الكبرى، أما الدول الصغيرة -حسب دراسة مجلس الاستخبارات الوطنية- فستبلي بلاءً حسناً، وتستفيد من هذه التحولات العالمية لمصلحتها. ويتوقع أن يزيد أيضاً حجم اقتصادات الفاعلين من غير الدول وترتفع أكثر مما هي عليه اليوم، وفي الذهن هنا أرقام لافتة عن بعض كبريات الشركات، وعن شغلها 51 ترتيباً بين الـ100 اقتصاد الأكبر في العالم. وإلى جانب الاقتصاد يبدو من مظاهر أدوار الفاعلين من غير الدول بعض ما نراه اليوم أيضاً في السياسة والصراعات، وعلى سبيل المثال فقد نجحت حركة «حماس» في محاصرة المجال الجوي الإسرائيلي وقصفت مطار بن غوريون وأغلقته لأيام وهو أكبر وأهم مطار في إسرائيل. ومن يقوم بذلك لاعب غير دولة هو «حماس»! واليوم تقض الحركة مضجع إسرائيل، وأسرت أحد جنودها، وقد تدخل أوباما ووزير خارجيته وأمين عام الأمم المتحدة ونوابه ليطالبوها بالإفراج عن العسكري الإسرائيلي الأسير لديها! وربما يكون هنالك أيضاً من يرى أن «حماس» غيّرت قواعد اللعبة والاشتباك وموازين القوى وضربت عقيدة إسرائيل العسكرية في الصميم بنقل المعركة لأول مرة منذ حرب تل أبيب مع «حزب الله» في عام 2006 إلى العمق الإسرائيلي نفسه، وصارت مدن إسرائيل الرئيسية، وخاصة تل أبيب وحيفا، ضمن نطاق صواريخ حركتيْ «حماس» و«الجهاد الإسلامي» لأول مرة في تاريخ الدولة العبرية.. ما يجعل 90%من مواطني إسرائيل ضمن مرمى صواريخ المقاومة، ولذا يعيشون حياة غير طبيعية، وبعضهم في الملاجئ، وهو ما لم يعتده الشعب الإسرائيلي، ومن هاجروا إلى إسرائيل لم يتخيلوا العيش في مثل هذه الظروف.. وقد يقول أيضاً أنصار «حماس» وفصائل المقاومة إنها غيرت من حسابات إسرائيل، وهو ما لم تنجح الدول العربية بأسرها في تحقيقه منذ بدء الصراع العربي الإسرائيلي في عام 1948. أما اللاعب الإقليمي الآخر من غير الدول فهو «حزب الله» اللبناني، الموالي لإيران والذي يعطيها ثقلاً ووزناً يتجاوز حدودها، حيث أصبح أقوى من الدولة اللبنانية، بل يتحكم في مفاصلها ويقرر من يأتي، أو يسقط الشرعية عن أي رئيس أو رئيس وزراء، ويحدد من يكون رئيس مجلس النواب! ويؤثر في قرار السلم والحرب في لبنان.. ومن أجل تشكيل حكومة، أو انتخاب رئيس للبنان، أو سحب مقاتلي «حزب الله» من سوريا والعراق، قد لا يكون في الغالب عنوان التفاوض هو الحكومة اللبنانية المغيبة. وكذلك للتفاوض حول السماح لفرق التفتيش بالوصول إلى موقع ركام الطائرة الماليزية المنكوبة داخل الأراضي الأوكرانية لا أحد يتفاوض أيضاً مع حكومة كييف.. بل مع وروسيا وإيران وغيرهما من الأطراف المؤثرة على تلك الحركات والفاعلين غير الحكوميين! واليوم عاد خطر «القاعدة» وفروعها والتنظيمات المتأثرة بفكرها وطرحها العنيف، وكذلك عاد الحوثيون في اليمن يدقون أبواب العاصمة صنعاء! وحركة «الشباب» في الصومال تبدو أقوى من الحكومة الضعيفة. وجماعة «بوكو حرام» تسعى لتقويض مكانة وسمعة نيجيريا، أكبر دولة في أفريقيا، وصاحبة أكبر اقتصاد في القارة السمراء! وسيستمر هذا النهج كما أوضحنا لنجد بعد عقد ونيف من الزمن حالة تراجع أكبر لدور الدول، وتقدماً أكثر لدور الفاعلين من غير الدول.. فلنستعد لنظام عالمي جديد وصفه تقرير الاستخبارات الأميركية، مؤكداً أنه بحلول عام 2025 لن يكون بإمكاننا حينها التعرف على ملامح النظام العالمي. وذلك التاريخ سيكون بعد 11 عاماً من الآن. وإذن فلنستعد دولاً وأنظمة وشعوباً وأفراداً لذلك التحدي الكبير وذلك العالم والنظام العالمي الجديد!