في مجال البحوث العلمية المقارنة بين فيزيولوجيا الكائنات الحية الحيوانية بالذات، حظيت الفئران باهتمام خاص من جانب العلماء، بالنظر إلى ما للفئران من الكثير من أوجه التشابه مع البشر، سيما في مجال دراسة فيزيولوجيا ووظائف أدمغتها، مقارنة بفيزيولوجيا ووظائف الدماغ البشري• ولعل هذا هو السبب الذي شد اهتمام العلماء مؤخرا في مختلف أوجه تخصصاتهم المرتبطة بهذه العلوم، بعد استنساخهم لفأر• ففي الجانب التشخيصي والعلاجي بالذات، يأمل العلماء في أن يفضي هذا الاكتشاف الأخير إلى فتح منفذ جديد في العلوم الطبية، يمكن أن يفيد منه الآلاف، بل الملايين من ضحايا الأمراض المستعصية التي لم يتمكن الطب العلاجي من التغلب عليها حتى الآن•
غير أن هذا المقال يهتم بمعالجة جانب آخر من الاهتمام العام بالفئران واحتمال تطبيق الاستنتاجات العلمية التي تفضي إليها البحوث العلمية التي تجرى عليها، على البشر والاستفادة منها في فهم الجانب السلوكي من نشاط البشر ووظائف الدماغ البشري، واختلاف طريقة عمله في هذا الجانب بالذات• فقد كشف العلماء مؤخرا عن وجود فوارق وراثية في دماغي أنثى وذكر فأرين صغيرين ناميين، ربما تسفر عن التوصل إلى إيجاد الفوارق الطفيفة وغير الطفيفة في أدمغة إناث وذكور البشر الراشدين•
كانت الدراسة الخاصة بهذه الاستنتاجات قد نشرت في العشرين من شهر أكتوبر الجاري في مجلة “بحوث الدماغ الجزئية” التي تصدر في الولايات المتحدة الأميركية، وقال فيها العلماء إنه ربما كانت للاستنتاجات التي تم التوصل إليها تطبيقاتها على البشر• ومما يأمل العلماء أن تساعد هذه الاستنتاجات يوما ما في تمكين الأطباء من إجراء اختبار تشخيصي للمواليد الذين يولدون بأعضاء تناسلية تجعل من الصعب التمييز ما إذا كانوا ذكورا أم إناثا• غير أن هذا الجانب لا يمثل سوى وجه واحد فحسب من أوجه التطبيقات المحتملة لنتائج هذه الدراسة، فيما لو توصل القائمون عليها إلى بلوغ كامل احتمالاتها وتطبيقاتها النظرية المحتملة• هذا ويدرك علماء واختصاصيو الأعصاب أن دماغي ذكر وأنثى البشر متشابهان أكثر مما هما مختلفان، إلا أن هناك تمايزات بينهما على رغم التشابه الكبير فيما بينهما• على سبيل المثال، هناك في أدمغة البشر خلايا مختصة بحمل ونقل المعلومات بين نصفي الدماغ• هذه الخلايا هي أكبر عادة في أدمغة الإناث مقارنة بأدمغة الذكور• كما تميل أدمغة الإناث أكثر للتوازن مقارنة بأدمغة الذكور• وحتى الآن لم يسبر العلماء بعد أهمية ودور هذه الفوارق وتأثيرها على عمل أدمغة النوعين، إلا أنهم كثيرا ما يشيرون إليها في توضيح تفوق الذكور على الإناث فيما يتعلق بالمهارات التحليلية الذهنية، مقارنة إلى تفوق الإناث على الذكور في المهارات الكلامية• وإلى أن يتم الكشف العلمي المؤكد عن أسباب هذه الفوارق في أداء الجنسين، فإن العلماء يردونها في الوقت الحالي إلى خضوع الدماغ الذكوري لتأثيرات التيستوستيرون وغيره من الهرمونات الذكورية الأخرى التي تفرزها الخصيتان عقب تكونهما ونموهما• أثناء إجراء الدراسة المذكورة، قام فريق من الباحثين والعلماء يقوده دكتور إيريك فلين الأستاذ المختص بتدريس علم الوراثة البشرية وطب الأطفال وأمراض المسالك البولية، باستخلاص مواد وراثية من أدمغة أجنة فئران عمرها عشرة أيام فقط• وكشفت التحاليل والاختبارات التي خضعت لها العينات المستخلصة أن لخمسين في المئة على الأقل من الأنسجة الوراثية التي أخضعت للتحاليل، أنشطة تتفاوت بين تلك الأنسجة التي تعود إلى الإناث، مقابل تلك التي استخلصت من الذكور• فبينما ظلت بعض الأنسجة الأنثوية في حالة دائمة ومستمرة من النشاط، ظلت نظيرتها عند الذكور في حالة خمول تام أو أقل نشاطا من سابقتها• وبالمثل وجدت بعض الخلايا في حالة نشاط أكبر لدى الذكور عما هو عليه الحال عند الإناث• وبالطبع فإن لهذه الاختلافات في نشاط أنسجة التكوينات الوراثية، تأثيرها المباشر أو غير المباشر على سلوك النوعين على أساس الجنس، ومؤشر على اختلاف الأداء الذهني بينهما• إلا أن التوصل إلى تفسير علمي قاطع لهذه الاختلافات لا يزال بعيدا جدا حتى هذه اللحظة• تعليقا على هذه الفروق وما يمكن أن تعنيه، قال الدكتور فلين: لا تزال وظائف الكثير من هذه المورثات مجهولة بالنسبة لنا حتى الآن، غير أن من المرجح أن يكون لها تأثير في أن تنمو بعض الأعصاب الدماغية على أساس الجنس أو النوع، الأمر الذي يترك أثره على التمايز في التكوين والخلايا وبعض الوظائف في دماغي الأنثى والذكر• ولا يزال أمامنا الكثير من العمل المعقد والشاق الذي يمكن أن يفتح نافذة -مجرد نافذة لا أكثر- في البحث العلمي الدقيق المتخصص في مثل هذه الظواهر• وأوضح الدكتور فلين أن فريقه سيبدأ بإجراء دراسة تفصيلية على كل من الخلايا الوراثية على حدة، بغية السعي لمعرفة الأشكال والطرق التي تؤثر بها هذه الخلايا على التكوينات الدماغية للنوعين، وبالتالي محاولة معرفة مدى تأثيرها على سلوك وأداء النوعين ذهنيا•
ضمن ردو


