مرة أخرى، ألقت الدورة الرابعة (وربما تكون الأخيرة) لقمة الأمن النووي، التي نظمت في واشنطن مؤخراً، المزيد من الضوء على أكبر خطر يهدد الأمن العالمي، وهو الإرهاب النووي. ولعب الرئيس باراك أوباما، ومعه 53 من زعماء دول العالم الذين شاركوا في القمة، الدور التنسيقي الطليعي الذي تتكفل به عادة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، باعتبارها الكيان الحصري الذي يشرف على المبادرات الأمنية النووية على المستوى العالمي. واتضح من خلال مجريات أشغال قمة واشنطن أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية تواجه تحديات قوية لا قِبَل لها بها في إطار سعيها لتحقيق الأمن النووي العالمي. ولقد برزت تلك التحديات بشكل خاص، لا من خلال قمة الأمن النووي بحد ذاتها، بل من خلال مداولات «القمة الموازية للمنظمة غير الحكومية» NGO Side Summit، التي انعقدت في واشنطن يومي 30 و31 مارس الماضي تحت شعار: (حلول مقترحة لمستقبل الأمن النووي)، والتي دعت لاتخاذ إجراءات فعالة للتصدي للمخاطر الراهنة التي تهدد الأمن النووي، وطالبت بالمزيد من التنسيق مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية في هذا المجال. وعمد «رافائيل ماريانو جروسي»، المدير العام المساعد للسياسات في الوكالة الدولية للطاقة الذرية، إلى تقديم عرض موجز لتحديين أساسيين تواجههما الوكالة. يكمن أولهما في تردّد دول العالم المعنية في السماح للوكالة الدولية للطاقة الذرية بالاضطلاع بالدور التنسيقي في مجال تفعيل المبادرات ذات العلاقة بالأمن النووي. ويتعلق ثاني هذه التحديات بوجود هوّة واسعة تفصل بين أطروحات الدول الثلاثة والخمسين التي شاركت في قمة الأمن النووي في واشنطن، والدول الأعضاء في الوكالة التي بلغ عددها 168 دولة. ويعدّ هذا الانفصال شاهداً على فشل المجتمع الدولي في إدراك التداعيات الخطيرة وذات التأثير الواسع النطاق الذي يمكن أن يترتب على الإرهاب النووي، والذي قد يؤدي إلى رعب عالمي إذا تمكن الإرهابيون من الاستحواذ على الأسلحة النووية أو وسائل نشر الإشعاعات النووية. وتكمن الإشارة المهمة في هذا الصدد إلى أن الأمن النووي يمثل مشكلة عالمية تتطلب مواجهتها حلولاً ذات طابع عالمي. ولقد وضعت «القمة الموازية للمنظمة غير الحكومية لعام 2016» هذه النقطة في سياقها الصحيح من خلال إشارة مهمة جاء فيها: «إن أي حادث إرهابي نووي يحدث في أي بقعة من العالم، لا بدّ أن تترتب عليه تداعيات سلبية ضخمة على اقتصادات ومجتمعات وأمن جميع الدول والشعوب». ولو أردنا أن نحقق المزيد من التقدم الذي تحقق في قمة الأمن النووي الأخيرة، فإن الحلول الواجب التمسك بها لتحقيق الأمن النووي تتطلب بالدرجة الأولى تنسيقاً دولياً يفوق ما شاهدناه من قبل، وما تمكنت الوكالة للطاقة الذرية من تحقيقه في هذا المجال حتى الآن. وفيما تبرز المحاولات الشجاعة لقمة الأمن النووي في مجال لفت الانتباه إلى مخاطر الإرهاب النووي، فلقد اتضح أن بعض المظاهر الإجرائية الإدارية لتلك القمة كانت سبباً في خلق مشاكل عويصة. ففي كلمة انطوت على قوة التعبير، ألقاها «جروسي» في إطار مداولات القمة الموازية، كشف النقاب عن أن السلوك الاستقصائي لقمة الأمن النووي أدى إلى تقويض جهود الوكالة الدولية للطاقة الذرية للاحتفاظ بموقعها الريادي لتنسيق وتفعيل المبادرات الأمنية النووية حول العالم. وقال في هذا الصدد:«ما يستثير فضولنا ودهشتنا، أننا لا نستطيع هنا في فيينا (مقر الوكالة) أن نشير بمجرد كلمة واحدة إلى قمة الأمن النووي. وقد يبدو وكأن الأمر ينطوي على الهزل والسخرية، ولكن لا يمكننا أن نعتبره كذلك، وعندما تذكر عبارة قمة الأمن النووي، فسوف تتذكر على الفور الوفود التي لم تتم دعوتها إلى هذا المنتدى الذي يقع في صلب اختصاصها. ويبقى التساؤل بعد ذلك: فلماذا إذن يكون على الوكالة أن تتلقى التعليمات من جماعة القادة الثلاثة والخمسين الذين اجتمعوا معاً؟.. إنها بحق مشكلة عويصة». وحتى الآن، لم تتضح المعايير التي تم اعتمادها لتحديد من يشارك ومن يتم استبعاده من قمة واشنطن للأمن النووي. لكن ما هو واضح بالفعل أن لهذه القضية أبعادها السياسية. ومن ذلك مثلاً أن أذربيجان التي دأبت على المشاركة في القمة منذ عام 2012 دون انقطاع، لكن مشاركتها في دورة عام 2016 حظيت بترحيب واسع النطاق من وسائل الإعلام، لأن منظمي القمة ما عادوا ينظرون إليها باعتبارها دولة كانت تدور ذات مرة في فلك الاتحاد السوفييتي السابق. ماريا هايس وحنّة هايجلاند: باحثتان في «مركز ستيمسون للسلام والأمن العالمي» – واشنطن ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»