الهند.. وتسريبات صفقة الغواصات
تحاول الهند تسريع العمل بخطة عصرنة قواتها البحرية مع ظهور مؤشرات قوية تدل على رغبتها الملحّة بضمان أمن خطوطها البحرية التجارية، وتكريس حضورها القوي في مياه المحيط الهندي. وبما أن تذليل العقبات أمام هذا المشروع يتطلب الاستحواذ على أسلحة جديدة، فإن ذلك يشكل للحكومة تحدياً جديداً، وخاصة بعد حادثة تسريب بيانات حساسة تتعلق بصفقة غواصات «سكوربين» التي أبرمتها الهند مع «شركة إدارة بناء الوحدات البحرية» DCNSالفرنسية والتي تصل قيمتها الإجمالية إلى 3.5 مليار دولار. وتم بناء النسخة الأولى من أصل ست غواصات تتولى الشركة المذكورة بناءها في الحوض الجاف لمدينة بومباي، ودخلت مرحلة إجراء اختبارات التشغيل والأداء هذا العام. وتشكل هذه الغواصات حجر الأساس في خطة الهند لتعزيز القدرات العملياتية لقواتها البحرية، وخاصة في مواجهة القدرات البحرية الصينية المتنامية. وتعتبر «سكوربين» الغواصة الرائدة في الأسطول الهندي المزمع تحديثه، وهي التي ستستبدل غواصات «كيلو – كلاس» الروسية القديمة وغواصات HDWذات التصميم الألماني. وخلال هذا الأسبوع، تم تسريب نحو 22400 صفحة من المعلومات الحساسة المتعلقة بالقدرات القتالية لهذه الغواصات الجديدة. والآن هناك تحقيقات استخباراتية هندية لمعرفة المتورطين في عملية التسريب، وتشمل كلاً من الهند وفرنسا، والكشف عن الطريقة التي تم بموجبها فضح الخصائص الفنية لهذه الغواصات. وكانت صحيفة TheAustralianهي التي كشفت النقاب عن محتوى هذه الوثائق. وقالت إنها حصلت عليها من ضابط بحري فرنسي يعمل في أحواض بناء السفن التابعة للشركة المذكورة. ويغلب الظنّ أنه سرق تلك الوثائق لتسليمها إلى دولة جنوب- شرق آسيوية.
وفيما تسعى الهند لتحديد مدى الأضرار الناجمة عن هذا التسريب، يبقى هناك القليل فحسب من الشكوك حول ما إذا كان لها تأثيرها الكبير على مدى جهوزية السلاح البحري الهندي. واتجهت الحكومة الهندية نحو التقليل من أخطار التسريب عندما صرح وزير دفاعها بأن الأمر «لا يستوجب الكثير من القلق». إلا أنه من الواضح أن نظام تسليح الغواصات ذاته كان جزءاً من عملية التسريب.
والهند، التي تعد أكبر مشترٍ للأسلحة والتجهيزات العسكرية في العالم أجمع، تنجز الآن مهمة طموحة لتحديث وتطوير قواتها المسلحة وخاصة «قواتها البحرية المتخصصة بالخوض في المياه الزرقاء». وقبل سنوات قليلة، نُكبت البحرية الهندية بأكبر مأساة تشهدها في فترات السلام عندما غرقت غواصتها «سيندهور أكشاك» قريباً من شواطئ بومباي بسبب انفجار أدى إلى مصرع 18 من أعضاء طاقمها. وربما كان من الجدير أيضاً التذكير بأن البحرية الهندية عانت من 14 حادثا خطيرا آخر. وبالرغم من أن الهند هي القوة الآسيوية الوحيدة التي تشغّل حاملتي طائرات في أسطولها البحري، إلا أنها تناضل الآن من أجل تبديل أسطولها القديم وتحديث معداتها العسكرية المهترئة التي تجاوزها الزمن.
وتمتلك القوات البحرية الهندية 14 غواصة، من بينها اثنتان فقط من التي تم إصلاحها وإعادة تأهيلها. وكانت قد حصلت على الاثنتي عشرة غواصة الباقية بين عامي 1985 و2000. كما أن خطة نيودلهي لتحديث أسطولها من الغواصات، تعرضت للكثير من التأجيل والتأخير لأسباب تقنية ومادية. وتعرض مشروع بناء الغواصات الست من طراز «سكوربين» لتأخير لأكثر من ست سنوات عن التاريخ المتفق عليه.
ويندرج سعي البحرية الهندية لتحديث أسطولها البحري ضمن استراتيجيتها التي تهدف إلى تكريس حضورها البحري واستعادة نفوذها المفقود في المحيط الهندي والمسطحات المائية المجاورة له. وترى الهند أنها تعيش في بيئة أمنية عامرة بالتحديات، ولا يمكنها أن تبقي على جهوزيتها الدفاعية الضعيفة وخاصة مع الصين التي تنشغل ببناء أضخم قوة بحرية لخوض المياه الزرقاء من أجل استعراض عضلاتها في بحر الصين الذي اختلقت فيه نزاعات حول ملكية جزر وأراضٍ شاطئية مع كل من فييتنام والفلبين.
ومنذ وصلت الحكومة الهندية الجديدة إلى السلطة، أعلنت عن أنها تعتبر التواجد العسكري في منطقة المحيط الهندي قضية استراتيجية تحظى بالأولوية في سياستها الخارجية. وفي هذا الإطار، قام رئيس الوزراء ناريندرا مودي بسلسلة زيارات لدول مطلة على المحيط الهندي من سيريلانكا وحتى جزر سيشل.
وتأتي جهود تعزيز القوات البحرية انطلاقاً من حرص نيودلهي على الالتزام بمسؤولية حفظ الأمن عبر الخطوط البحرية التجارية في المحيط الهندي، بالإضافة لواجباتها في التصدي لمصادر التهديد الأخرى كالقرصنة البحرية التي وصلت إلى بعض أطراف المحيط الهندي. وفي الحقيقة، لا تُعتبر الهند كدولة رائدة في آسيا، مسؤولة عن تحقيق الأمن البحري لنفسها فقط، بل إن مسؤولياتها في هذا المجال تشتمل على إرساء الأمن في المحيط الهندي كله لتنعم به كل الدول الصغيرة المطلة عليه.
ويعتبر تسريب المعلومات والتفاصيل المتعلقة بالغواصات الجديدة انتكاسة لسمعة الهند على الرغم من محاولات الحكومة التقليل من أهمية هذه القضية برمتها. وطالما أن الصحيفة لم تسرب أسرار مهمة مثل «ترددات أصوات الضجيج التي تنبعث عن الغواصات»، فإن الضرر قد لا يكون كارثياً.
د. ذِكْرُ الرحمن*
* مدير المركز الإسلامي في نيودلهي