مسألة الطلاق الشفاهي
كثير من المسائل الفقهية تثور حولها معارك بين العلماء وينشغل بها الناس، وتحكيم العقل قادر على حلها. ومن هذه الموضوعات جواز الطلاق الشفاهي حتى لو تم بالثلاثة في لحظة غضب. فتخرج الزوجة من المنزل مع أولادها إلى بيت أبيها أو أخيها أو أمها المطلقة، فتعيش المطلقة الجديدة مع القديمة.
وهذا الموضوع لا شأن له بجدل العلماء ومقارعة النصوص ببعضها البعض، وطلب الشهرة والمزايدة في العلم. فالحقيقة الفقهية ليست حقيقة نظرية وكأننا في العلوم الرياضية، بل حقيقة عملية تقوم على جلب المنفعة ودفع الضرر. لكن لها علاقة بإجماع العلماء، إذ لو اعترض عالم واحد لم يكن الإجماع تاماً بل كان إجماعاً ناقصاً. وهو غير ملزم شرعاً، طبقاً لقواعد علم أصول الفقه. والتساؤل هنا هو: كيف تتم هذه الرخصة، والطلاق بيد الرجل، كما تصور ذلك الأمثالُ العامية والآداب الشعبية والقصص والروايات والأفلام التي تصف الحياة الشعبية؟ الطلاق الشفهي يستعمله الرجل أداة تهديد لإخضاع زوجته، فيقول مثلاً وهو خارج من المنزل في الصباح: «والله إن عدت في المساء ولم أجد كشري فستكوني طالقة بالثلاثة». وهو في هذه الحالة لم يقم اعتباراً لغلاء العدس والأرز، فهل تكون الزوجة طالقاً؟ وماذا لو أصبحت أجمل في عينيه ولم يستطع الصبر على طلاقها؟ بهذه الطريقة يزداد شعور المرأة بأنها مجرد ملحق بلسان الرجل رغم المثل الشعبي: «الرجل مأخوذ بلسانه». وهل يجوز طلاق المرأة شفاهة أم كتابة دون معرفة السبب، أي ما سماه الأصوليون التعليل؟ والعلة هي سبب إصدار الحكم، والحكم دون علة باطل. وفي حالة الطلاق لا يتم ذلك دون أن يأتي حَكَم من أهله وحَكَم من أهلها لمعرفة كيفية الصلح وإمكانية الوفاق. والمشاكل الناتجة عن الطلاق أكبر بكثير من عدمه، مثل حقوق المرأة، وحقوق الأولاد ونفقتهم والتواصل معهم. بل إن بعض العلماء أبطل الطلاق بالثلاثة لأنه يبطل الغاية من التدرج بين الأول والثالث، وهي أن يدرك الرجل الخسائر المترتبة عليه في حالة الطلاق البات.
كل تجارة أو عقد زواج أو طلاق، يتطلب شهوداً ومراجعة، وإلى ذلك يتطلب الطلاق انتظاراً حتى تنقضي لحظة الانفعال ويعم الهدوء. هذا هو فقه الحياة اليومية وليس فقه النصوص وجدل العلماء. العقل يرفض الطلاق الشفاهي الذي يقع لحظة غضب باللسان، طلقة واحدة أم بالثلاثة لأن الحياة الأسرية تقوم على احترام متبادل بين الزوجين. يكفي أن الطلاق بيد الرجل. ويكون مكتوباً كالزواج تماماً. فهل يكون الطلاق أقل شروطاً من الزواج؟ وهل تعيش الزوجة في رعب طيلة عمرها خوفاً من أن ينطق لسان الرجل بطلاقها؟
الطلاق الشفاهي يؤكد ما يروجه أعداء وضع المرأة في الفقه بأنها مجرد ألعوبة في يد الرجل. لكن كل كلام تترتب عليه حقوق يتعين توثيقه. وإنقاذ المرأة من الطلاق الشفاهي قد يكون واجباً عقلياً ملحاً. والعقل قرين النقل، وقد أكد ابن تيمية، إمام السلفيين، «موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول». وليس كما يقول العلمانيون اليوم مخالفة صريح المعقول لصحيح المنقول. فما يقوم على العقل شيء، وما يقوم على الوحي شيء آخر. فلا يغضب العلماء من تجاوز النصوص وهي خاضعة للتأويل. وكل قوة اجتماعية تفسرها لصالحها. فمن يجيز الطلاق الشفاهي يحرص على زيادة سلطة الرجل لأنه رجل. ومن لا يريده يحرص على حقوق المرأة أو يزيد من قوتها بالممارسات الاجتماعية اليومية.
والأولى من الطلاق، شفهياً كان أم مكتوباً، هو احترام الزوجة دون التباهي بالتحكم في مصيرها. وإذا كانت العلاقة بين الزوجين قائمة على الحب، فإنه لا ينعدم تماماً، بل يتحول إلى عشرة، والعشرة إلى احترام. والطلاق الشفاهي قد يكون مزعجاً للمرأة، وعدم تقدير للعشرة معها.
*أستاذ الفلسفة -جامعة القاهرة