قميص الشجاع
يتخلى الشجعان عن قمصان الرخاء والنعيم، ويقفزون جماعات جماعات في نهر التضحية بالنفس، من أجل القيمة والمعنى. الشجاعة في عمقها المتجذر لا تتجلى في فرض القوة على الضعفاء، أو التباهي بالتسابق مع الأعرج والانتصار عليه، وليست في تحدي الأعمى والتفوق عليه في تسمية الأشياء والألوان. إنما الشجاعة فعل انتصار على الخوف الداخلي في كل منا، الخوف الذي ينتابك أحياناً، وأنت مختلياً مع نفسك، ومع ذلك تظل تطاردك الأفكار وترعبك التخيلات حتى لو كانت صغيرة. والشجاع هو من ينتبه الى الفكرة الخائفة ويذهب لتفتيتها حتى لا تعود مطلقاً.
والشجاعة درجات، على أول السلالم قد ترى الحيران وهو يحاول الانتصار على ذاته في لعبة التردد الى أن يموت ويفطس وهو في مكانه الأول، وبعده بدرجتين، أو ثلاث يأتي المتريث الذي يقدم خطوة ويؤخر اثنتين، ويحسب حساب كل شيء، والمتريث وأن وصل يوماً، فهو يصل متأخراً جداً، عندما تكون المعاني قد تبدلت في سرعة السنين، وصارت القمة لا تصلح له. وقليلاً في أعلى سلم الشجاعة قد تجد المغامر الذي يقفز مع القطيع، ولكنه بلا طموح، إنه ذلك الذي يتوقف عند وصول الجميع الى حافة الخطر في منتصف الطريق فيقرر الرجوع او المكوث في البقعة الآمنة، بينما يواصل البقية التلذذ باكتشاف المجهول حتى لو سقط في الطريق أحدهم أو بعضهم. لأن الشجعان لا توقفهم سوى حواجز القمة، ولا يثنيهم عن مواصلة المسير سوى الانتصار على ذواتهم والتفوق عليها، ومعاني الشجاعة درجات أيضا، أولها الشجاعة في التعبير عن الذات والانحياز الى الصدق مهما كلف الأمر، وقد يحتاج الصدق وحده الى جسارة لا يملكها حتى أعتى الأبطال. وهناك الشجاعة في الفعل، عندما يذهب الشجاع الى مواجهة الكثرة بمفرده وحيداً مدركاً أنه سيلقى حتفه، ومع ذلك يختار أن يموت واقفاً بشموخ بدلاً من الرضوخ والانصياع الى الترهيب بالسكين أو الرصاص. وهناك نوع ثالث من الشجاعة في التفكير، فالتسامح شجاعة وقبول الآخرين وفهمهم واحياناً التنازل لهم في الحق، شجاعة. والتواضع ايضاً شجاعة نادرة.
الجنرالات يمجدون قيم الاستبسال في الحروب ويمنحون اوسمة الشجاعة للجنود المنتصرين في معارك القتل والاحتلال والنهب، لكن بعد سنين يعود هؤلاء الجنود الى أوطانهم ممزقين من الداخل، وقد تلوثت أيديهم بالدم البريء، وتظل تطاردهم ذكريات الندم، وتقلق نومتهم الى الابد. لكن اوسمة ونياشين الشجاعة يجب أن تمنح الى كل من قاوم الافكار الضيقة، وكل من تصدى الى صوت الظلام وكل من غنى بأعلى صوته لتعظيم المحبة ونشرها بين الناس.
ينادي العاشق باسم الحرية في كل وقت
لا يبالي لحراس المعاني
لا يكترث لو سال دمه
ما دام قلبه تذوق طعم الانتشاء العظيم
عادل خزام | akhozam@yahoo.co