في حياتنا اليومية، وفي زحمة الناس، وضجيج الأصوات، نرتكب أخطاء ذريعة، فقد نصادف شخصاً ما نلتقيه في شارع أو مجلس، أو مكان عمل، وعلى الفور ودون سابق إنذار، نصوغ له صورة بالأبيض والأسود، نشيعه بابتسامة باهتة، نستقبله بنفس مقبوضة، نسلمه رسالة مفادها، أنت يا بني آدم، غير مرغوب فيك، فحياضنا منيعة، وقلوبنا حصينة، ودروبنا أهون أن تسير عليها الدواب ولا أنت أيها الخسيس، الدسيس، النحيس، الأشبه بالفطيس·· فقد يخسر طالب عمل وظيفة هو الأحق بها من سواه، وقد يفقد رجل أعمال صفقة هو الأجدر بها، وقد يخيب أمل شاب، وتنكسر أمنياته عند حائط الصورة المشئومة، فلا يظفر بالإجازة الدراسية التي تمناها أو الزوجة التي تحراها لأن المرفأ الذي تمنى أن ترسو على شاطئه سفن العودة، كان حالكاً والصورة مدلهمة، والمشهد هائجاً مائجاً، مضطرباً، ضارباً في العتمة· فالصورة الأولى لشخص ما، قد تكون مفعمة بمخزون مشاعر مسبقة، وأحاسيس ملفقة، ترسم له هيئة هي من صنع خيالنا، فنحسبه نصاباً أو محتالاً ونبالغ أحياناً فنظن أن صاحب الحاجة كائن غريب، حط رحاله في حياضنا، من غياهب الدهور ومن غابر العصور، فنجافي وننافي قيم الإنسان فينا، فنلفظه ونرفضه، وندبر ولا نقبل، ونسوق الأعذار، لإقناع النفس، أن المدعي مسيلمة الكذاب جاء ليحطب وينصب في ديارنا، والجريمة أننا لو انصعنا لمآربه، سنكون قد أشعنا الخراب في الكون، وفتحنا باباً للمجون، وجهنم أسقطناها على رؤوس الناس أجمعين· في هذه الغفلة، والصورة الشوهاء للآخر، لا نعرف أننا أشعلنا الحريق في الطريق، وجاورنا الصديق بالصفيق، ومزجنا العذب الفرات بالملح الأجاج، فاختلطت الألوان، وأقحلت الأشجان، ودار الزمان بالإنسان، وقد يكون للمدينة في هذا الأمر شأن، المدينة التي حلمنا بها، وردية زاهية، وسيعة الدروب، شاهقة المعاني، أصبحت القلوب فيها، أضيق من ثقب إبرة، والصورة رمادية باهتة، بلا لون ولا طعم، والصفحات التي كنا نتمنى أن نقرأها ناصعة، لعبت بها خربشات اللهاث، وأنفاس الركض والحض إلى ما لا نهاية ولا بداية، ولا غاية· فعندما نسير بسرعة البرق، لا نرى الأشياء الصغيرة من حولنا، ولا نستطيع أن نلمس ما يستقر عند النواحي والزوايا، وعندما يتوقف القطار يبدأ السؤال كبيراً، بحجم الفراغ الذي صنعناه، وصغنا مداه، فتحيط بنا علامة الاستفهام المريعة، وصولتها الفظيعة، فننكفىء على النفس، نبحث عن الآخر فلا نجده لأننا ضيعناه، في الضجيج، وافتقدنا صورته الحقيقية، عند صحراء توجسنا، وريبتنا، وكذبتنا التي صنعناها بأيدينا، وصدقنا أن من الأوهام يبدأ الإلهام· في المدينة تضيع الوجوه، كما أنها تتشوه، وتصبح حالة استثنائية، تستولد ملامحها من الضياع، وتستورد ابتسامتها من تيه المراحل المحترقة، وفي المدينة تبدو الأشياء كقشة حائرة، لا هي تثبت على الأرض، ولا تطال سماء، وما الصلات بينها، إلا كما السابحات في فضاء الله· في المدينة، الناس احتمالات وجود، فلا وجه يبتسم لوجه، ولايد تصافح يداً، ولا عين تنفتح إلى عين، وكأنما الكائنات هنا عمياء صماء بكماء، تتزاحم الحشود، والأجساد تتلاطم كتفاً بكتف، ولكن الأفئدة شتان·· لأن الصورة مرجفة، والكامن غارق في الأهواء والأنواء، والأدواء، و''يا روح ما بعدك روح''·