الرقيب الوهمي إلى متى؟
إذا لم نعمل على رفع سقف حرية الرأي والتعبير في إعلامنا وحواراتنا العامة، فستتضاعف هذه الخشية الواضحة لدى الكثيرين من أن أحداً يتسمع إليهم أو يراقب حركتهم أو ينصت إلى حواراتهم التي لا تعدو كونها حديثاً في العموميات، لقد أثارت جارتنا ضحكي بالفعل وهي تتحدث عن عدم رضاها عن بعض الأمور ثم وكأنها تذكرت شيئاً مهماً فقالت مشيرة بيديها للحضور”.. اسكتوا لا نريد أن نتحدث في السياسة وإلا ... “ !! وذات مرة تجنبت الحديث عن ارتفاع فاتورة الكهرباء عبر الهاتف بحجة أن التلفونات مراقبة كما قالت ! سألتها من يراقبها؟ قالت هكذا يقولون!!
من الذي يشيع هذه الشائعات التي لا تخيف الناس وتوتر أنماط تواصلهم فقط، بقدر ما تسمم الأجواء الاجتماعية وتنشر ثقافة الخوف والصمت، وتشعر البعض وكأنه يعيش في مجتمع بوليسي فعلاً، بينما الأمور ليست كذلك في حقيقة الأمر، هناك مستفيدون من ذلك لكن المجتمع والدولة أول المتضررين منه حتماً، وعلينا أن نعمل على التصدي لهذه الثقافة المضللة والمضادة، لأنه لا أحد مستفيداً ولا أحد آمناً في ظل الصمت والخوف حتى وإن كان متصنعاً أو مصنوعاً.
الرقيب الذاتي الذي تربى وكبر في نفوس الكتاب والصحفيين مثلاً نتيجة سوء فهم أو نتيجة تعليمات مباشرة أو غير مباشرة بعدم مس بعض المواضيع الحساسة ولد صحافة ليست في المستوى المأمول، وأعمدة رأي ليست بالقوة المحركة لمفاعيل المجتمع المختلفة، وأخباراً لا تسمن ولا تغني من جوع، هذه الظاهرة ليست عندنا في الإمارات فقط وإنما في الكثير من مناطق الوطن العربي، لكننا معنيون أكثر بالحديث عن مجتمعنا بطبيعة الحال، ويهمنا ونحن نتحدث عن طاقة المستقبل والبحث عن بدائل للطاقة وللحياة الأكثر رقياً واحتراماً أن نتحدث عن الحرية لأنها الاستحقاق الأهم والأخطر، والركيزة الأولى لكل القيم والمبادرات والمشاريع التي تبحث صالح الإنسان وأمان مستقبله.
كثيرة هي المواضيع والإشكالات التي تكون هماً يومياً للإنسان الإماراتي مع اختلاف درجة الاهتمام وعمق الفهم بين شخص وآخر وبين شريحة وأخرى، لكن الذي يؤكد اهتمامنا بحياتنا وتفاصيل مشاكلنا وهمومنا هو الحوارات التي تدور بين الناس في مجالسهم العامة والخاصة، حول هذه الهواجس والأسئلة، حول التركيبة السكانية، حول الخدمات الاتحادية، حول القروض وأسعار العقارات، حول الأزمة المالية، حول التعليم وأداء الوزراء، حول دور المجلس الوطني ، وعن .... وعن ...
قد يقول قائل ومن منع الناس من الحديث في أمورهم ؟ إنهم يتحدثون دون أن يتعرض لهم أحد بأذى، وهذا صحيح، وهذا هو ما نريد أن نؤكده هنا، أن الحديث والحوار الوطني الفردي والجمعي حق مكفول قانونياً ودستورياً ومنطقياً للجميع، وأنه دليل عافية ومواطنة صحيحة، فذلك أفضل بلا شك من الأحاديث التافهة والفارغة حول البلاك بيري ومعاكسة البنات وتخفيضات الجمعية التعاونية وآخر موديلات الجلابيات، ثم إن هذا الوهم المتعلق بالرقابة أو التصنت ليس سوى وهم نتيجة شائعات أو كلام متواتر لا أساس له من الصحة، أو نتيجة تجارب فردية قديمة يجب أن لاتشكل قاعدة أبداً للرأي العام الذي عليه أن يرتفع في حواراته لمستوى التحديات، وللإعلام وكتاب الرأي الذين يمثلون ضمير الأمة والرافعة الأولى للتنوير والوعي في المجتمع.