تساؤلات الحيرة دائما تكمن بالنفس وتأخذ أبعاد الدائرة غير المكتملة، ومن خلال البحث المثابر والتقصي قد تصل بالقراءة إلى القريب أو الأقرب، أي إلى ما يصبو إليه المرء من ثقافة يستمتع بها ضمن تشعبات الحياة واختلاف رؤاها.. إذن المرء لا يبحث دائما عن دائرة مكتملة، وإنما يتولد من القراءة تشابك ثقافي فيه اقتناع إلى حد ما، فمثلا الفلسفة الدينية والعقائدية دائما ما تستعصي على المثقف حيث لا تقنعه البراهين اوتغيب عنه الأدلة القاطعة. وبماذا يستنير حين تتشابك الرؤى الدينية بالموروث، وحين تهدف المنظومة الدينية الى غايات سياسية مثلا، أو حين تتغلف المنظومة السياسية بالدينية؟ يتواجه المثقف مع خبايا معقدة، فما بالنا بالقارئ العادي الذي يبحث عن ثقافة هادئة غير مدججة بالحيرة أو الارتباك. هذا الارتباك يحدث حين تقرأ كتابا فكريا لا ينسجم مع العقيدة الدينية، وحين تقترب منه تشعر كأنك اقتربت من المحرمات من مأكل ومشرب، فكتاب مثل "الجسد المقدس والكأس المقدسة" الذي ألفه عدد من الكتاب عام 1982، وموضوعه قصة دينية فلسفية مشتقة من ما بعد موت عيسى عليه السلام وما تلاه، هي أقرب إلى الخيال مستنبطة من العشاء الأخير والدم المقدس بعد صلب عيسى عليه السلام كما في الرواية الدينية المسيحية، وقد ترجمت الحكاية إلى أفلام ومسرحيات لأنها من الأعمال الأسطورية، والكائن البشري دائما ما يجتذب الى التاريخ مهما علا شأنه الثقافي، ومهما بلغ من الحضارة والتطور تدفعه الأبعاد التاريخية لكي يستنبط جماليتها ولذة تكونها، اما الكاتب فدائما ما يميل الى الرؤى المختلفة والغرائبية كونها تفتح أفقا آخر من الإبداع. إن تضاد الفكر او الثقافة لا يعني التباعد، بل من السمات الرئيسية للمعرفة هو قراءة التنافر والتضاد والاقتراب من النسيج الثقافي للأمم، فهو الاستنباط الحقيقي للمثقف الحر الذي من شأنه أن يرتوي من الثقافة وحسب وليس الإقامة على حدود النقيض، وهي الحيرة والتردد والإفراط في التفكير بما ينسجم او لا ينسجم مع ثقافتك او البحث في التحريم أكثر من أخذ المعرفة الشاملة المتأملة، وهي ما ترمز إليه الثقافة الحرة دائما، فالعقيدة الحق من مبادئها الثقافة الشاملة وهذا ما جعل الإسلام ينفتح على علوم سائر الشعوب مما جعل النضج الديني يسير مع النضج الثقافي والمعرفي، وتطابق فكرة الإسلام جاءت من مبدأ أقرأ مما يعني طمس الجهل ومد جسر المعرفة والعلوم ما بين أمم خلت وأمم متلهفة للمعرفة. هذا ليس دفاعا عن كتاب بعينه، ولا أرمز الى القصص كالتي بكتاب "الجسد المقدس والكأس المقدسة" وإنما الإطار يتسع الى كتب أجمل وذات اتساع خيالي وفضاء للفكر، ولكن تجد من يحقر تلك الكتب ويطمسها ضمن الخرافات ولا يكسبها حقها ثقافيا، ومما يفاجئ أن بعض النقاد يتجه للمسار الضيّق علما أن الأجمل أن لا تضيق الثقافة وأن تشع المعرفة على اتساع فضائها.