تحقيق ـ أمل النعيمي:
تساؤل صغير، لربما لايطرأ على ذهن أحد، خاصة النساء اللواتي لايشغلهن شىء منذ الطفولة سوى فستان العرس والليلة التي ترتدي فيها البنت ثوب الزفاف···! أليس هذا أمراً غريبا: ان ينتهي دور وأهمية هذا الثوب بانقضاء تلك الليلة؟ انه تساؤل بسيط كما قلنا، بساطة الثوب الذي تتوقف بخلعه 'رحلة الرومانسية' لتبدأ 'المرحلة الواقعية' في حياة الغالبية العظمى من النساء ان لم نقل الجميع· تساؤل بسيط حقا، غير ان احداً لايشغل نفسه به، لهذا -ولسواه-حملنا هذا التساؤل الصغير- الكبير إلى مجموعة من النساء ليتحدثن عن تجاربهن مع ثوب الزفاف ومصيره اللاحق، ليسترجعن وايانا جانبا عزيزا من الماضي بشىء ما من الحنين···
'التواصل الحضاري' وثقافة الغرب فرضا على مجتمعاتنا العربية هذا اللباس الأبيض وتجار السوق الذين يلعبون بأحلام كل عروس واضعين يوم الزفاف بساعاته القليلة تحت المقصلة: فسعر الفستان يبدأ وينتهي حيث تنتهي ميزانيتكم، وكل ذلك من اجل ساعات قليلة·
فستان الزفاف·· فستان العمر، قد يشترى وقد يفصل وقد يؤجر وقد تطرأ عليه بعض الإبداعات، والمحصلة: فستان العروس، ففتياتنا العربيات يتفنن في التميز في 'الحضور' وفي لفت الانتباه في جذب 'المعازيم' من ضيفات تلك الليلة، خصوصا في مجتمعاتنا الخليجية، فهذه الليلة ليلتها وهي اميرتها التي حلمت ان تكون، فهل تفرط بها وتلجأ- كما تدعو بعض الفتيات المقبلات على الزواج- إلى التراث؟ إلى فستان الجدة بصندوقها المغلق المعتق الذي تنبعث منه رائحة العود والعنبر والمسك··· إلى أيام من أطهر وأبسط الأيام، إلى العطاء، بعيداً عن التكاليف الباهظة لـ'ليلة العمر' التي يهرب منها الشباب، وتزداد بسببها نسبة العنوسة وذرائع الشباب للهروب من استحقاق العمر ونصف الدين·
حين قالت وفاء سعيد: انا لم أضطر لإرتداء فستان الفرح التقليدي، سألناها كيف؟ قالت : حين عزمنا الارتباط انا وزوجي وددنا ان يكون لزواجنا ذكرى نسجل فيها سطوراً نفخر بها أمام أبنائنا، فقد تزوجنا بعد احداث الاجتياح الاسرائيلي لبيروت العام 1982 رغم اننا خليجيان، ولكن الانتماء العربي كان يخفق في قلبينا، فرفضت يومها إرتداء ذاك الفستان الأبيض وارتديت ثوباً اسود حريرياً لا لون به إلا الأزهار الرمادية، انا إلى الآن اعترض على ما تركض وراءه الفتيات من مظاهر تجعلهن فارغات العقول إلا من فكرة تراوده الفتاة منذ الصغر نتيجة لتراكمات اجتماعية بانها يجب ان تصرف الاخضر واليابس من اجل تلك الليلة لتتبختر بهذا الفستان أمام الناس بضع دقائق وان زاد فهي ساعة أو ساعتان، لابد ان تتغير آراؤنا ونحن نعيش هذا التغير الحياتي، فالحياة الزوجية ليست ليلة بدء تلك الشراكة، بل هي مفتاح للوصول إلى حياة سعيدة مع الطرف الآخر· وتضيف وفاء: قد تكون فكرتي غير مقبولة لدى البعض وغير واقعية لكنني استطعت تطبيقها وبكل فخر ومازلت اقول ان الانسان هو ابن فكرة يتبناها ويسعى لتوثيقها، انا لم أعان من تركات تلك الليلة بكل بذخها، فقد اكتفيت بقالب من الكيك وموسيقى غير صاخبة وكان الله بالسر عليما·
آلاف في مهب الريح
وتحدثنا ليلى علي، فتقول: زواجي سيكون ان شاء الله بعد عيد رمضان مباشرة وقد 'حفيت' قدماي وانا أطرق أبواب المصممين، فسعر اقل فستان يستطيع إنجازه -كما قال احدهم- هو 40 ألف درهم· وعندما اقترحت عليه ان أرده إليه بعد ليلة العرس لاسترد بعضاً من نقودي، قال: لا انا لا اتعامل بهذا الشكل، وكل فستان وله قيمته ووقته، لأن هذا فن اقوم به بناء على طلب الزبونة وهي القادرة على دفع التكاليف، وإلا فلتبحثي عن غيري··· فهم كثر·
وتؤكد ليلى علي ان هذه الليلة هي حلم كل فتاة، ومنذ طفولتها تتراكم افكار كل فتاة حسب البيئة والظروف والزمن، فجداتنا لم يعانين مثل ما نعانيه ولم يحلمن إلا بالستر، لكننا نحلم ان تكون ليلة العمر ليلةً يتحدث عنها القاصي والداني-ولاأعرف لماذا؟- على اية حال انا لا أتمنى شيئا سوى ان أوفق بإتمام كل شيء قبل يوم العرس· وقد نصحتني صديقاتي بأفكار كثيرة، وتوضح ليلى: هناك العديد من المحال أو المنازل التي تؤجر فساتين الزفاف وبأسعار معقولة، ولكنني لم اتقبل فكرة ان أرتدي ثوبا قد ارتدته قبلي أخرى وأخرى وعدد غير محدود من الآخريات·
رائحة الذكرى
أما أم روضة، فتقول: احببت ليلة العمر، وان اكون اميرتها، وساعدني على ذلك وصول تشكيلات جديدة لفساتين اعراس من الخارج ووفقت بشراء احداها بسعر لم يتجاوز العشرة آلاف درهم، وكان رائعاً جميلاً اظهرني أمام الحاضرين بأبهى صورة، بعد تلك الليلة لم استطع ان امنحه لأحد أو اضعه في محل لتأجيره، فأخذ مكانه في خزانة ملابسي ولايزال منذ 3 سنوات· لم يطاوعني قلبي، تؤكد أم روضة، أن اعطيه لاحد لانني اضع في كل خيط من خيوطه ذكرى تلك اللية الرائعة بكل فرح الأهل والاصدقاء، واتمنى لكل عروس السعادة والهناء وتحمل أعباء الزوجية، فالزواج ليس قفصاً ذهبياً خالياً من الأعباء، بل هو شراكة طرفاها شخصان يحبان بعضهما بعضاً·
إحتيال أنثوي
تقول أم علي: استطعت انا وصديقتي ان نتحايل على ما يطرحه السوق من أسعار وان ننفذ حلماً كان يراود صديقتي ليوم زواجها، إذ قمنا باختيار ثوب عرس عادي جداً بكلفة ثلاثة آلاف درهم-وكان ذلك منذ خمسة عشر سنة مضت- واخذنا مجموعة الخرز والكرستالات بأنواعها المطلوبة وقضينا حوالي ثلاثة شهور في عملية التنسيق و'الشك' على الفستان الذي ظهرت عليه الفخامة و'القيمة'··· وبعد ان اتمت صديقتي حفلتها قامت بتأجيره لمحل ما واستعادت قيمته و···زيادة، حيث كان الإقبال عليه كبيرا· وتضيف أم علي ضاحكة: أما انا فقد اشتريت فستاناً لا يزيد سعره عن العشرة آلاف وبعد ذلك تصدقت به ولا اعرف مصيره الآن، لكنني سعيدة بما فعلت، فقد يكون مصدر سعادة لزيجات أخرى في مكان ما من العالم· أما عزيزة -وهي موظفة- فتقول: استأجرت فستان فرحي من احدى معارفي وكنت حريصة ان يكون ملائماً لي وضمن توجهاتي الأخلاقية والدينية، فقد صدمت بان اغلب الفساتين نحت منحى العري وهذا ما اخذ مني وقتا في البحث، وقد أجرت الفستان بـ 7 آلاف درهم وهو سعر معقول نسبياً مقارنة باسعار'التفصيل' الذي صدمت وكان الطلب بهذا المنوال يتجاوز الـ 35 ألف درهم وما فوق، وبما ان الأسعار في ازدياد فالمصممون ينتهزون ويستغلون الحاجة الماسة التي تواجهها كل فتاة مقبلة على الزواج، ويستغلون حتى احلامنا واعذارهم: ان الأقمشة المستخدمة في الفساتين غالية جداً كذلك اليد العاملة في التطريز وعمل الإكسسوار المرافق باهظ·
ماركات وأشياء أخرى
تضيف عزيزة: ان تصاميم فساتين الزفاف تختلف عن باقي التصاميم -فساتين السهرة مثلاً- فهي تحتاج للبطانة والتور وطبقات من القماش، وقد يتم إدخال عدة تفاصيل لتنفيذ الطلب، لكن المر مع ذلك لا يستدعي كل هذا الغلاء، فنحن كنساء نهتم بدور الأزياء والتصميم كأسم اكثر من التصميم نفسه احياناً، فقد هيمن سحر اسماء الماركات العالمية على طقوس حياتنا وساد منطق: ان من يلبس تلك الماركة هو المميز· دون ان ننتبه إلى ان دور الأزياء تستخدمنا واجهات مجانية لتسويق اسمها دون ان تدفع لنا، بل العملية مقلوبة تماماً ونحن سعداء بتنفيذها دون وعي منا، وهذه العملية الماكرة تجعل الفتيات والنساء يدفعن أموالهن لشراء ما يجعلهن مميزات· أما أم محمد، فتقول: أرتديت فستانا اجرته من احدى قريباتي وكنت مطمئنة انه لم يلبس إلا مرة واحدة، فعملية التأجير لها قوانينها باعتقادي المتعارف عليها، حيث ان الفستان عمره لا يتجاوز الخمس أو الست لبسات وبعد ذلك يذهب لاحدى الصالونات ليؤجر بسعر قد لا يتجاوز الـ 500 درهم وتكون صاحبته قد استرجعت قيمته·
بيوت التأجير
لغرض التيقن من مدى مصداقية ما تقوله بعض النساء، كان علينا ان نذهب لاحد محال تأجير فساتين الاعراس، حيث التقينا السيدة شوق واختها ريم في الشارقة ليدور الحديث عن عملية تسويق هذه البضاعة المرغوبة· تقول شوق: نحن نتعامل مع كبار المصممين العالميين مثل وليد عطا الله، وأروشي، وزهير مراد، وايلي صعب وآخرين، فهؤلاء لهم بصمتهم المطلوبة بين الفتيات المقبلات على الزواج و'كل فستان بسعره' ونحن نأخذ الفساتين من اصحابها على ان تكون لنا نسبة من ثمن التأجير لحل الكثير من المشاكل مثل ثمن الخياطة -من تضيق أو تقصير أو تطويل أو غسيل القطع أو البروفات وتوصيل الفساتين إلى العروس- وتواصل: بدأنا هذا المشروع من حوالي سنتين، وقد جذبنا كثيراً لما فيه من ربح، حيث تتراوح الأسعار والأرباح بحسب المواسم بين الجزر والمد، بل ان عملنا يتوقف في رمضان تماماً واكثر المواسم رواجا تكون بعد رمضان، فيما تقل حركة الإقبال أثناء دوام المدارس·