الأربعاء 27 مايو 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
الأخبار العالمية

الإخوان المسلمون الغائب الحاضر في الحياة السياسية المصرية

6 أكتوبر 2005

القاهرة - حلمي النمنم:
في أي انتخابات مصرية، أيا كان مستواها، تكون جماعة الإخوان المسلمين هي الغائب الحاضر، فالجماعة طبقا للقانون المصري محظورة وغير مشروعة، وطبقا للواقع وللشارع موجودة وفاعلة، ولكن وجودها عبر صفقات ومن خلف ستار، ولعل الانتخابات الرئاسية المصرية التي جرت يوم 7 سبتمبر الماضي اخر تجليات تلك الحالة، لذا فان دراسة مصطفى بيومي 'نجيب محفوظ·· والاخوان المسلمون' تأتي في وقتها·
الدراسة تتناول كيف ظهرت جماعة الاخوان لدى محفوظ ورغم انها دراسة في أعمال وروايات محفوظ إلا انها اقرب الى التناول السياسي والتاريخي من التناول النقدي والادبي الخالص·· فلم يتطرق الباحث الى الجوانب الفنية في الاعمال ولا الى بنائها النقدي وتطورها في سياق أعمال محفوظ·· لذا فإن الجهد هنا أقرب الى الجهد الصحفي والاخباري·
تكونت جماعة الاخوان عام 1928 وتقع في الفترة التي تناولها محفوظ في أعماله التي حملت نقديا اسم الروايات الواقعية، بعد الرواية التاريخية التي بدأ بها وفي روايته 'القاهرة '30 لم تكن حركة الاخوان قد ذاعت وانتشرت، ومع ذلك نجد في تلك الرواية شخصية 'مأمون رضوان' ولا يقدمه الروائي باعتباره منتميا للاخوان، ولكنه متدين بتزمت ويحمل ما يصبح بعد ذلك سمات الاخوان، من حيث رفض التيارات السياسية الاخرى وتجاهل القضية الوطنية لصالح القضية الدينية ولا يتوقف عند زعماء او رموز الاحزاب التي ينتمي اليها زملاؤه وكلما رآهم يختلفون حول سعد زغلول وعدلي يكن واسماعيل صدقي يهز منكبيه استهانة، وكان ينكر الاحزاب جميعا، ويأبى الاعتراف بالقضية المصرية ويقول بحماسه المعهود: ان هناك قضية واحدة هي قضية الاسلام·
ولأن نجيب محفوظ وفدي قديم فإن علاقة الوفد بالاخوان هي شاغله في عدد من اعماله، باعتبار ان الجماعة كانت تشكل تحديا للحزب العريق، ويبدو ذلك في واحدة من رواياته المتأخرة 'الباقي من الزمن ساعة' ونجد فيها اسرة 'حامد برهان' وهي أسرة متوسطة الحال، الأب موظف صغير والام ربة بيت وتسكن الاسرة بيتا قديما في حلوان والهوس الوفدي يسيطرعلى البيت كله من حامد الاب الى سنية الام والابنين محمد ومنيرة، لكن محمد يدخل علاقة مع الاخوان بعد ان اطاح الملك فاروق بحكومة الوفد الاولى في عهده عام 1938 ولم يكن محمد يشعر بتناقض بين الانتماء للجماعة والهوى الوفدي القديم، وعبر حامد عن امتعاضه 'حسبك اني غير مرتاح لذلك' فدافع محمد ببراءة عن الجماعة لكن والده يرد: 'انت وفدي واي تجمع آخر ماهو إلا منافس للوفد'·· فقال محمد باصرار 'إنها -أي الجماعة- مفتوحة للجميع' ولم يطرأ عليه اي تغيير سوى ان أضاف الى اطلاعه بعض الكتب الدينية·
ويرى الاب ان اي قوة في الساحة هي خصم من قوة الوفد، باعتباره حزب الاغلبية بينما الابن يرى الجماعة مفتوحة وتتسع للجميع، هي في تلك الفترة لم تصبح بعد جماعة سياسية، بل هيئة دينية، تدعو الى الخير وتأمر بالمعروف لذا فانها تتسع للجميع ولا يجد هو غضاضة من ان يكون وفديا وان يكون ايضا متعاطفا مع الجماعة ويتردد عليها، فالخطاب السياسي للجماعة غير الواضح والمحدد اتاح لامثال محمد الانتساب إليها، فالوفد عنده قادر على اشباع كل الميول والاحتياجات ويلتحق محمد بكلية الحقوق وبعد التخرج يعمل في مكتب احد المحامين الوفديين، ولم يقبله المحامي الكبير إلا لوفديته، حتى لو مازجها انتماء للاخوان، التحول الكامل لمحمد حامد برهان حدث مع حكومة السعديين حين جرى حل الجماعة واعتقال العشرات من اعضائها، واعتقل محمد في تلك الفترة وبعد خروجه من المعتقل يقول له المحامي الكبير 'افهم معنى الوفد قبل فوات الاوان·· انه ليس حزبا ولكنه قاعدة الاساس المتماسك·· هو بكل ايجاز مصر' فتساءل محمد: هل تبحث على مدى العمر عن الاستقلال والدستور؟ فيرد المحامي 'جدد ما تشاء ولكن فوق القاعدة المتماسكة وإلا وجدت نفسك في عهد ما قبل الاسرات' وهنا تبدو حيرة الشاب والشعور بان الوفد لم يعد يلبي جميع احتياجات الجيل الجديد، فضلا عن ان قضية الحفاظ على الدستور ومعها الاستقلال ليست غير كافية، ويرى الوفدي القديم ان التجديد ممكن ولكن على أساس الوفد·
ويلتقي الشاب بابيه في لجنة الانتخابات، التي جرت بعد اقالة حكومة السعديين، وسعد الاب حامد برهان ابنه ويهمس في اذنه 'الشكر لله على انك مازلت في الاعماق وفديا' لكن محمد لا يريحه، بل يحدثه كاخواني صرف 'الاخوان معكم في هذه الانتخابات·· وها نحن نصل الى ما ظل قائما الى اليوم'·· الاخوان تحالفوا مع الوفد في تلك الانتخابات، رغم الخلاف الفكري بينهما، لكن نكاية في العدو المشترك، الحزب السعدي، عملا بمقولة عدو عدوي صديقي، أو التصويت للوفد ليس حبا فيه ولكن كراهية في السعديين!
السكرية
وترصد رواية نجيب محفوظ 'السكرية' الاصول الوفدية لعدد غير قليل من الاخوان في الفترة التي تناولتها الرواية، من 1935 - 1944 وهذا هو ما وصل اليه المؤرخون والباحثون في تلك الفترة، حيث سجلوا ان الوفد، ربما بعد حادث 4 فبراير 1942 لم تعد له نفس الجاذبية لدى الشباب والاجيال الجديدة·
البطل في 'السكرية' هو عبدالمنعم شوكت حفيد 'سي السيد' وفي البداية كان عبدالمنعم وفديا وكذلك شقيقه، لكنهما تحولا فيما بعد ليصبح الاول اخوانيا والثاني ماركسيا، فيما يعرف بانتشار تيارات مخالفة للوفد تمثلت في هذين الفصيلين ثم فصيل مصر الفتاة وتبدو وفديتهما في جنازة الملك فؤاد، اذ يقول عبدالمنعم لاخيه احمد 'فاروق غلام، ليس له دهاء ابيه ولا نابه الازرق، فاذا سارت الامور سيرا حسنا، ونجحت المفاوضات، وعاد الوفد الى الحكم فسوف تستقر الامور وينقضي عهد المؤامرات·· المستقبل حسن فيما يبدو·· لكن مع الوقت تهتز هذه الرؤية: اني اوافقك على انه خير من غيره، ولكن طموحنا لن يقف عنده' وفيما بعد في حوار لهما مع الخال كمال احمد عبدالجواد، وهو وفدي ايضا يقول له عبدالمنعم 'الوفد أفضل الاحزاب بلا ريب، ولكنه في ذاته لم يعد مقنعا كل الاقناع، ويرد احمد 'اني اوافق اخي على رأيه هذا، أو بالاحرى لا اوافقه على رأي إلا هذا'·
وتتطور الامور لدى محفوظ، ويبقى الوفديون القدامى على نقائهم الوفدي ويضيقون بالاخرين، في 'ميرامار' نجد العجوز الوفدي عامر وجدي شاهدا على التيارات السياسية المناوئة للوفد، ويعلن ضيقه تحديدا بالاثنين 'الاخوان الذين لم احبهم والشيوعيين الذين لم افهمهم' وعدم الحب وعدم الفهم يؤديان عنده الى الرفض، ولا يختلف كمال عبدالجواد بطل الثلاثية في موقفه من الاخوان، حين يفكر في عبدالمنعم ابن شقيقته، بلا شك هو يحبه على المستوى الاسري ويهتم به، لكنه يرصد ساخطا ميوله نحو الاخوان ويقول عن يقينه وتعصبه: انهما ارذل ما فيه وان اسوأ ما في الاخوان اليقين المطلق فما يرونه هو الحقيقة واليقين الذي لا يسمح برأي مخالف أو اتجاه اخر، ويكمل ذلك لديهم التعصب المقيت والمرذول·
اما في رواية حديث 'الصباح والمساء' فنجد ضابط الشرطة حامد عمرو وهو ايضا لديه انتماء وفدي·· لكن هذا الانتماء مقيد ومحاصر بمهنته وظروفه ومع ذلك فان حكمه على الاخوان واضح ومحدد في ثلاث كلمات فقط 'الاخوان تجار دين' ورغم أن الوفديين لدى محفوظ يرفضون الاخوان، لكنه رفض معتدل في اغلب الاحوال وفي 'السكرية' تقول خديجة ابنة احمد عبدالجواد عن ابنها عبدالمنعم 'يعجبني تدينه، هذا خلق في دم اسرتنا، ولكن لا تعجبني لحيته'، وهذا هو المزاج المصري العام، الذي يرحب بالتدين المعتدل اما المغالاة والتطرف فهي امور مرذولة، وكانت حكومات الوفد متسامحة مع الجماعة، ولم تسمح لهم بلعب دور سياسي ولكن لم تعتقلهم كما حدث بعد ذلك في حكومة النقراشي باشا وخلفه ابراهيم عبدالهادي·
الحركة المباركة
وحين قامت حركة الجيش في يوليو 52 يبدي لها الاخوان حماسا شديدا، وهم الذين سموها 'الحركة المباركة' حتى وصل الامر الى شيوع ان الاخوان وراء تلك الحركة، بل هم الذين قاموا بها، من خلال رجالهم بالجيش· وفي رواية 'الباقي من الزمن ساعة' نجد محمد حامد برهان يؤمن بان الحركة اخوانية بل قد دُعي الى بعث النشاط من جديد في شعبة حلوان واحتج والده الوفدي المخلص على نشاطه هذا وراح يحذره، فقد اعتقل من قبل بسببهم 'ابعد عن الاخوان، حسبك ما اصابك نتيجة لانضمامك البريء اليهم' فيرد عليه محمد بعبارة كاشفة وذات مغزى 'كيف اهجرهم بعد ان توج كفاحهم بالفوز المبين؟' ويعاود الاب الرد قائلا بغيظ شديد لا يخلو من حكمة ورؤية مستقبلية: 'ما هي إلا حركة بلا جذور شعبية، فلا تعرض نفسك لغضب الشعب كما تعرضت سابقا لغضب الحكومة' لكن الابن لا يبالي اذ ابتسم بثقة العارف المطمئن قائلا لوالده 'الماضي مات قبل ان تمتد يد لقتله' وتفاءلت الاسرة بهذه الثقة وبقول الراوي في الرواية الذي هو هنا نجيب محفوظ: ان الاسرة اعتبرت ان لها في الحركة الجديدة عضوا وانها بذلك تتحول من اسرة مغمورة الى اسرة حاكمة أو مشاركة في الحكم·· ورغم ان محمد كان عضوا عاديا في جماعة الاخوان لم يكن قياديا ولا عضوا بمكتب الارشاد مثلا لكن طموح السلطة راوده وبات يتحدث عن الحركة ليس بضمير الغائب، بل بضمير المتكلم فبات يقول 'سنفعل كذا وكذا'· وانتظر محمد حامد ان تعلن الحركة عن وجهها الاخواني الصريح، كي يحتل موقعا متميزا في مؤسسة الحكم وساعده على ذلك التصور ان الحركة لم تعلن عن توجها فكريا واضحا، فضلا عن انها من اليوم الاول اظهرت عداء للوفد وللاحزاب الكبرى، وكبرت لديه الاحلام والطموحات التي لم ولن يتحقق منها شيء، فقد شاهد بوادر الصراع بين عبدالناصر ونجيب شدا وجذبا هنا وهناك، وامتد الامر الى تصفية الاخوان ··وهكذا بدلا من ان يجد محمد نفسه على رأس مؤسسة أو وزارة القي به في اعماق سجن رهيب·
وبالرغم من انه لم تثبت عليه تهمة إلا انه قضى في الاعتقال عامين، وخرج منه بعين واحدة وساق عرجاء·· ولم يكن وحده في ذلك، ففي رواية 'حديث الصباح والمساء' نجد الشاب سليم، قامت الثورة وهو في المرحلة الثانوية فتحمس لها وظن انه باندماجه اكثر في الاخوان انما يندمج اكثر في الثورة، ولما وقع الصدام الاول في عام 1954 ابقاه قلبه مع الاخوان وكان من المتهمين في قضية الاخوان الكبرى، اي حادث المنشية وهكذا حُكم عليه بعشر سنوات وفي رواية 'قشتمر' يقبض على صبري صادق ايضا ويقدم الى المحكمة متهما غير انه كان من القلة التي بُرئت ساحتها·· وفقد ثقته بكل شيء، وفي اللحظة المناسبة هرب الى السعودية والتحق بعمل مناسب في شركة مقاولات·· وعندما خرج محمد حامد من المعتقل بدأ يعزي نفسه 'اني احسن حظا ممن اهلكتهم المشانق أو غيبتهم السجون الى الابد'·وتنجح الثورة في ان تقدم برنامجها الخاص، ولا تسمح بأي دور لاصحاب الافكار الاخرى من اليمين أو اليسار، وفي 'المرايا' يقدم محفوظ شخصية قدري رزق وهو من ضباط الثورة ولديه ايمان قوي بكل ما تقدمه وما تقوم به ويسأله الراوي مرة 'من انتم؟' فضحك وتفكر ثم قال 'نحن اصدقاء الوطنية والعروبة والثورة واعداء الفساد والتعصب والالحاد' وطبعا المقصود بالتعصب هم الاخوان والالحاد هم الشيوعيون والفساد يعني الاحزاب القديمة، وحين يلتقي المفكر التراثي عباس فوزي بطالب تخرج في الجامعة عام ،1967 لنلاحظ دلالة العام، ويسأله 'ألا يوجد بين الطلبة اخوان مسلمون' فيرد عليه الشاب 'كلا' أو عدد لا وزن له·· وتكشف رواية 'الكرنك' عن مدى ملاحقة الاجهزة لاعضاء الجماعة أو بقاياهم فقد قُبض على اسماعيل الشيخ وهو لديه ولاء كامل للثورة بتهمة الانتماء للاخوان ولم يفرج عنه إلا بعد التأكد من براءته والسبب غريب 'ثبت ان اسمك دون في السجل لانك تبرعت بقرش لبناء جامع ودون ان تكون لك صلة بهم'·
ويبدي محمد حامد الاخواني في 'الباقي من الزمن ساعة' سخريته من مظاهرات ،9 10 يونيه 67 التي تطالب عبدالناصر بالبقاء في السلطة 'تخرج الجموع للتمسك به بدلا من المطالبة بمحاكمته' وحينما سمع محمد خبر وفاة عبدالناصر تصور في البداية ان هناك خداعا بهدف استنطاقه بكلمة يدفع ثمنها، ويجر الى المعتقل، وظل فترة غير مصدق، وما ان تأكد لديه النبأ وصار حقيقة تحدث له حالة من النشوة وتتبخر مشاعر الذهول وتطل الفرحة الغامرة وتسيطر مشاعر الراحة 'شعر بانه يولد في عالم جديد، شعر بالقيود تنحل من حول عنقه ويديه وقدميه·· شعر بان وزنه يخف وان نسائم الامان تهفو الى وجدانه·· وسرعان ما اجتاحه ارتياح عميق وملأه حبور قوي لا حيله له فيه فاخفاه خلف جفنيه المسدلين وتمادى به الحبور فاستغفر الله في سره وخاف ان يفلت منه الزمام فيغشى عليه'·
عهد السادات
وحين يبدأ الهجوم على عبدالناصر في عهد السادات تتساءل منيرة شقيقة محمد عما تعتبره انجازات عبدالناصر '·· هل ننسى القضاء على النظام الملكي، والجلاء، والاصلاح الزراعي والتأمين وتمصير الاقتصاد والقومية العربية؟ فيرد محمد بسخرية وتهكم: 'سيعترف له المستقبل بفضل واحد باعتباره منشئ الامبراطورية الاسرائيلية'· ويقول محمد ايضا 'كل ما نعاني من شر ينسب اليه' وهذا الموقف سيقودهم الى علاقتهم الشائكة بالسادات· ومن المهم ان نذكر انه افرج عن الاخوان المعتقلين وفتح امامهم ابواب الحرية وهذا كله معروف، وهناك خلاف بين الباحثين حول دوافع افراج السادات عن الاخوان، هناك من يرى انه افرج عنهم بقصد ان يطلقهم للانتقام من عبدالناصر ويتحدثوا عن مساوئه معهم كي يتخلص من زعامة عبدالناصر الطاغية في نظر الشعب المصري والعربي كله، وهناك من يؤكد ان السادات كان بريئا وكان يقصد فعلا ان يبدأ عهده بالافراج عن المعتقلين واشاعة الحرية والديمقراطية داخل مصر، وانه كان صادقا في ذلك بدليل انه افرج عن المعتقلين الاخرين من غير الاخوان، بل اكثر من ذلك استعان بالشيوعيين في الحكومة حيث اختير د· اسماعيل صبري عبدالله وزيرا للتخطيط وعين ايضا فؤاد مرسي وزيرا للتموين وكل منهما كان عضوا بالحزب الشيوعي المصري، وهي أول واخر مرة يختار شيوعي عضوا في الوزارة·
واستقبل الاخوان السادات بالترحيب الحذر، وفي رواية 'أمام العرش' يتحدث السادات عن نفسه ويذكر ان له علاقة قديمة بالاخوان تعود الى نهاية الثلاثينيات وكان معجبا بهم وتعرف الى المرشد المؤسس حسن البنا، ولم يكن الاخوان عملاء للسادات ولا هم اعتبروه اخوانيا، ولكن في العديد من اعمال محفوظ نجد ارتباطا بوجود السادات·
يقول احد الاخوان لمحمد حامد برهان 'الرئيس الجديد صديق' لكن محمد يرد بحذر 'ليكن اعتمادنا على انفسنا' فقد تعلموا الدرس، حين تصوروا ان الثورة وعبدالناصر واحدا منهم وسيحقق لهم ما يحلمون به، ويقيم لهم الدولة التي يتخيلونها ويلتزم بمنهجهم فكان ما كان، ويمتلك محمد حامد فلسفة واضحة في ترحيبه بالسادات وهو انه لن يكون أسوأ من سلفه فليس هناك اسوأ مما تعرضوا له أيام عبدالناصر·
أمام العرش
ولم يكن موقف السادات والاخوان خافيا على الاطراف الاخرى، ففي رواية 'قشتمر' نجد الشاعر الناصري طاهر عبيد، يسيء الظن بالسادات واعتبره عميلا لجميع القوى الرجعية في الداخل والخارج· والمقصود بقوى الداخل الاخوان، اما قوى الخارج فكان مفهوما انها الولايات المتحدة، وكان السادات قد بدأ يضيق ذرعا بعلاقات مصر القوية بالاتحاد السوفيتي، خاصة بعد القمة الأميركية- السوفيتية 1972التي اتجهت الى التهدئة في منطقة الشرق الاوسط، وهذا يعني انه لا حل بالمرة، وكان السادات قد اقتنع بان الحل في يد اميركا وحدها، وفلسفته في ذلك بسيطة للغاية، اسرائيل هي الدولة المعتدية والتي احتلت الارض العربية، واميركا هي التي تساند اسرائيل وتمدها بالمال وبالسلاح وبكل شيء، فلو امكنه التأثير على اميركا لاثر ذلك بالضرورة على اسرائيل، كان الناصريون يرون ذلك ويفهمونه جيدا، ويقفون ضده، لكن الاخوان دافعوا عن السادات وساندوه، والتقى ذلك معهم دينيا وفكريا، فالاتحاد السوفيتي بالنسبة لهم دولة شيوعية اي دولة الكفر والالحاد، وتدمير هذه الدولة هدف لديهم، وإن لم يكن ذلك متاحا فليكن عدم التعامل معها ومقاطعتها، وكانوا في هجومهم على عبدالناصر يركزون على هذه الجزئية واعتبروه معاديا للاسلام لانه اعتقلهم واقام علاقات قوية بالسوفيت، بل انهم ربطوا بين الامرين بنظرية المؤامرة وهناك من اعتبر أن اعتقالهم كان عربون مودة وصداقة تجاه السوفيت وترد في اعمال محفوظ اصداء ذلك عبر حوارات بعض الشخصيات، بل نجد في رواية 'امام العرش' عند الحديث عن عبدالناصر وكذلك السادات اصداء لهذه الاجواء وهكذا كان الاخوان على استعداد للدفاع عن السادات ومساندة خطواته بالابتعاد عن السوفيت والتقارب مع الغرب الرأسمالي، بل انهم يتسامحون ويهللون للقمع الذي يقوم به تجاه الناصريين والماركسيين·
وعندما يُقتل الماركسي الشاب عزيز صفوت في مظاهرة طلابية قامت ضد سياسات السادات فإن المحامي الاخواني ذا الحملات القاسية ضد عبدالناصر وسنوات حكمه المليئة بالمعتقلات وانتهاك الحريات ينشغل فقط بذلك التساؤل الغريب عن سر واسباب وجود القتيل في المظاهرة ويقول 'معروف انه انقطع عن الدراسة فماذا دسه بين المتظاهرين من الطلبة؟' لا ينزعج المحامي محمد حامد برهان من هذه الممارسات وكأن قتل غير الطلبة جائز، وكأن المشاركة في المظاهرة جريمة، لقد استعمل المحامي تعبير الاندساس وهو تعبير امني في المقام الاول يعكس طريقة تفكيره وحين تشتد المظاهرات في عهد السادات ويزداد الساخطون والرافضون يمارس هو نفس الطريقة في الدفاع عن السادات مع الهجوم العنيف والحاد على عبدالناصر يقول 'انه عهد امان بعد خوف، وقانون بعد فوضى' فترد عليه اخته منيرة الناصرية الهوى 'تجلت وحشيته في قمع المظاهرات' لكن الاخواني العتيد يتمسك بالدفاع عن السادات ومحاولة العثور على تبرير له بالقول 'حالة استثنائية والموقف يتطلب الحزم' ويفوت المحامي ان هذا المنطق كان هو الذي حكم اعتقالات الاخوان في عهد عبدالناصر، وان هذا المنطق نفسه يمكن ان يكون مبررا لاعتقالهم مرة اخرى والزج بهم في السجون، ويكشف الموقف عن ان موقفهم من عبدالناصر كان ثأريا وتعاملهم مع السادات كان لا يخلو من انتهازية حقيقية، لكن ليس هناك ايمان حقيقي بالحرية السياسية وان من حق المختلفين في الموقف والرأي ان يعبروا عن انفسهم دون ان ينالهم اي اذى، سواء من اعتقال أو سجن، ودون ان يصيبهم خوف أو ترويع· ويكشف محمد حامد عن طبيعة علاقة وتعامل الاخوان مع السادات، في عبارة قصيرة بالغة العمق والدلالة اذ يقول بوضوح شديد 'اني راض عن الرئيس الحالي باعتباره التمهيد لدولة الاسلام' فهو يمهد لهم كي يصلوا الى هدفهم النهائي ومشروعهم باقامة الدولة التي يحلمون بها ويتطلعون الى اقامتها منذ التأسيس، السادات يمهد لهم هذا الحلم، لكن في لحظات التأمل يشعر ان التمهيد طال وامتد، ويقول مع نفسه انه حتى الشيوعيين لهم حزب بينما الاخوان ليس لهم حزب حقيقي، وهذا ليس صحيحا، فالشيوعيون لم يكن لهم حزب علني ابدا، لديهم حزب سري مثل جماعة الاخوان بالضبط وتنظيماتها السرية، عموما سوف يظل الاخوان يدافعون عن السادات حتى يسافر الى القدس في نوفمبر 1977 ويشتد عليه الهجوم ساعتها يشاركون هم في الهجوم، بل انهم يقودونه وتتأزم الامور بين السادات وبينهم·
وفي احدى الروايات نجد سليم حسن الذي كان يرى ان بينهم وبين السادات مودة ورحمة يبدأ انتقاد السادات والهجوم عليه، وفي 5 سبتمبر 1981 كان ضمن الذين تم اعتقالهم، وحين يصله خبر اغتيال السادات في حادث المنصة لم يهتم بالسؤال عمن فعلها ولا كيف أو لماذا فعلها ولكن يكون تعليقه واضحا 'عقاب الهي لحكم كافر' اما محمد حامد برهان فلم يتوقف هو الاخر بعد الدفاع المستميت عن مهاجمة السادات واصفا زيارته للقدس بانها 'هذه هي الثغرة التي لا انسداد لها' ويعلن انتقاده وسخريته من اتفاقية كامب ديفيد التي وقعها السادات مع بيجين بانها 'كارثة ولا نجاة إلا بالاسلام' لكن ليس هذا اخطر ما يقوله فهو يعلن رفضه التام لفلسفة السادات السياسية في هذا الجانب، كان السادات يرى ضرورة التفاوض مع الجانب الاخر، وكان جزء كبير من خصومه اليسار والناصري تحديدا يرون انه لم يكن مفاوضا قويا وانه تسامح كثيرا وتنازل للاسرائيليين هم لم يدينوا مبدأ التفاوض نفسه، لكن الاخوان ادانوا هذا المبدأ ورفضوه، ويعلنها ممثل الاخوان لدى محفوظ 'محمد حامد' 'الجهاد'·· بهذا تعود الارض العربية وتتحرر اما ما يقوله السادات والمدافعون عنه من مبررات وذرائع فيراها هو واهية وكل المطلوب هو الجهاد، وما عدا ذلك تفاصيل أو علل لا يجوز التعلل بها من الاساس وهكذا هب الاخوان ضد السادات وبدأوا يحركون التيارات الدينية الجديدة·
المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©