محمد القدسي، من الكوادر الإعلامية القديرة التي شهدت البدايات الأولى لقيام دولة اتحاد الإمارات العربية المتحدة، وحظى من خلال عمله قارئ نشرة ومعد ومقدم للبرامج بتلفزيون أبوظبي منذ انطلاقته الأولى في 6/8/1969 أن يكون شاهدا وحاضرا قريبا من المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه، وحظى ايضا بنقل وتغطية الكثير من أنشطة وفعاليات المغفور له، ورافقه في عشرات الأنشطة والاحتفالات والاجتماعات والزيارات التفقدية التي كان يحرص عليها في كل شبر من ربوع هذا الوطن، والتوثيق بالكلمة والصورة من قلب الأحداث، ليرى بأم عينه كيف كان المغفور له مهموماً بهذا الوطن، يحمل على عاتقه آمال شعبه وأمته، حتى دارت عجلة البنيان، وتجاوزت نهضة الدولة الفتية الحديثة كل التوقعات على مختلف الأصعدة·
ولم يكن بعيدا عن تلمس الجوانب الإنسانية المشرقة التي تميز بها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله، وكيف امتدت خيراته، والجوانب الإنسانية الثرية فيه طيلة أيام حكمه الى الأشقاء والأصدقاء في كل مكان في العالم·
وفي الذكرى السنوية الأولى لفقيد الوطن والأمتين العربية والإسلامية، يحاول الإعلامي محمد القدسي، ان يوجز بعض تلك الصور، والمواقف، والخصال، والقيم الثرية، واستنباط عظيم الدروس والعبر كشاهد ايضا لامس كل هذا وعاشه لحظة بلحظة وفاء وعرفانا للفقيد الراحل رحمه الله·
يقول القدسي: 'في شتاء عام 1974 هطلت أمطار غزيرة على منطقة العين، واقيم للمغفور له معسكر في منطقة أم غافة، وارتفع منسوب المياه كثيرا حتى وصل ارتفاع شجرة، وأمر رحمه الله بإقامة سد ترابي لحجز مياه الأمطار، واتخذ مكانا فوق السد لمراقبة المياه، ومن حين لآخر يعطي توجيهاته السديدة لطريقة التصرف مع كمية المياه المتزايدة، والاستفادة منها حتى الصباح، وفي قصر المقام استقبل المستشار النمساوي الأسبق برونو كرايسكي واقتربت منه لأسمع ما يقول، وما يشرحه للضيف من كيفية الاستفادة من هذه المياه، بشكل عفوي وفطري حكيم وسديد، وتلاشت من ذهني كل المخاوف والتساؤلات الحائرة، وعرفت كيف تسير المياه، وترشح في مسارات في عمق الأرض حتى تغذي المياه الجوفية في المنطقة، في شرح بسيط وميداني وخبرة واسعة وحكمة كبيرة'·
الجرأة والصراحة
يقول القدسي: لقد كان المغفور له صريحا، عندما يخاطب الغير، سواء اذا كان يخاطب المسؤولين أو الشباب، وأذكر عندما اقيم احتفال بالمولد النبوي الشريف بالمسجد الكبير في ابوظبي، وكنت انقل الحفل على الهواء مباشرة، وأجلس قريبا جدا منه رحمة الله عليه، وعندما تحدث أحد العلماء الأفاضل، وأبدى ملاحظة مفادها انه لا يجوز الاحتفال بالمولد النبوي الشريف خشية الوقوع في محظور البدعة، عندها بادرت بابعاد الميكروفون عن جو الحوار، فما ان شاهد المغفور له ذلك إلا وأمسك بيدي بهدوء لأعيد الميكروفون قريبا كما كان، وليخرج الحوار على الهواء للناس، وبكل حكمة وهدوء قال: 'اننا لا نحتفل، وإنما نستذكر صفات الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في هذه الليلة حتى نقتدي بها، ونجعلها نبراسا أمام أعيننا'·
التواضع مع المرافقين
يؤكد القدسي ما كان المغفور له يتمتع به من صفات انسانية نبيلة، وفي مقدمتها صفة التواضع، فما كان يتردد أو ينسى ان يسأل عن كافة المرافقين له من اعلاميين وصحافيين وغيرهم بعد انتهاء المهمة التي تجمعهم به، ويسأل عن راحتهم وأحوالهم وأذكر ونحن موجودين في استراحة 'الخوانيج'، كان يشير الينا ان نتوجه نحوه مساءً بعد رحيل آخر زائر، ويسأل عنا، وماذا فعلنا، وكم حجم الرسالة التلفزيونية المصورة؟ وما مضمونها، وأذكر ايضا ونحن نرافقه رحمه الله في مؤتمر القمة العربية بالقاهرة عام 1974 ان يستدعيني في الصباح ويستفسر عن الرسالة اليومية، ويطمئن بنفسه على سير عملنا، وعلى أحوالنا وراحتنا، في تواضع وتواصل وحميمية وحب كبير· ولا أنسى يوم ان انتهيت من إعداد وتسجيل فيلم عن دولة الامارات بعنوان 'الشروق' عام ،1973 وكيف شكرني مشيدا بالعمل، وبالجهد المبذول، وابداء الملاحظات، والاقتراحات والتوجيهات بتواضع كبير، وأتذكر كيف كان يصر على ان نأخذ وقتا للراحة بعد يوم عمل طويل في جزيرة صير بني ياس، وان نتناول طعام الغداء والراحة قبل مواصلة العمل من جديد·
أبناء الإمارات··· شغله الشاغل
يروي محمد القدسي واقعة تؤكد أن المغفور له كان دائماً مهموماً بأبناء شعبه، وكان دائم التفكير فيما يتعلق بكل حياتهم اليومية، ويقول:
'بعد الانتهاء من مراسيم أداء اليمين الدستورية للتشكيل الوزاري الثاني عام ،1975 وكنت أقوم بنقل الحدث على الهواء مباشرة، اشار اليّ معالي أحمد بن حامد وزير الإعلام آنذاك، وكان جالسا بالقرب من المغفور له، فتوجهت، وطلب مني رحمة الله عليه أن أجلس قبالته، وطلب ضرورة إعداد برنامج تليفزيوني يومي بعنوان 'نصائح وارشادات الى أبنائنا' على أن يتناول كافة الأمور والقضايا الحياتية اليومية للشباب والأبناء في المدارس ومناقشة تفاصيل حياتهم والمظاهر السلوكية المرتبطة بهم كالغياب، والعلاقة مع الأهل، والتدخين، والسهر خارج المنزل، وغير ذلك من المشاكل الاجتماعية والسلوكية، وبالفعل انطلق البرنامج على الهواء من اليوم التالي واستمر بثه لفترة طويلة، وكان رحمة الله عليه يتابع بنفسه ما يبث ويبدي ملاحظاته وخبرته السديدة بشكل مستمر·
معايشة المواطن
وكان المغفور له يحرص دائماً على متابعة كافة تفاصيل حياة المواطن اليومية بنفسه، وكان يتفرغ في التاسعة مساء أينما كان ليتابع نشرة الأخبار ومن ثم الرسالة اليومية، ومشاهدة الأفلام التي كنا نقوم بتسجيلها من مواقع العمل والإنتاج، وكثيراً ما كان يبدي ملاحظاته وتوجيهاته، وكان يتمتع بقدرة فائقة على المتابعة والتوجيه·
مجاراة ومواكبة تقنيات العلم الحديث
يضيف القدسي قائلاً: كان المغفور له يتمتع ببصيرة نافذة، وقدرة هائلة على مجاراة ومواكبة آخر التقنيات العلمية، وكان يبدي آراءه السديدة حولها، وتطبيقاتها وأذكر كيف اعتمد طريقة الري بالتنقيط في مشاريع التشجير، وكانت التجربة الأولى في الإمارات وفي منطقة الخليج، وكيف توفر حوالي 60 في المئة من المياه، وكان كثيرا ما يبدي ملاحظاته وآراءه حول أهمية ترشيد استهلاك المياه ولاطاقة، ويتابع تنفيذ المشروعات بنفسه·
القدرة الفائقة على الاقناع
يتذكر القدسي في إحدى جولات المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان والتي امتدت 37 يوما لمختلف مناطق الدولة، ان زار أحد مواقع ضخ المياه من الآبار في الفجيرة، ولاحظ ان المهندس المشرف على الموقع يشرح طبيعة العمل، وكيفية الحفر، ولاحظ ان الحفر يتم في حدود مساحة ضيقة وقريبة، فأشار رحمة الله عليه بأن هذا لا يجدي نفعاً، لأن اقتراب الحفر من شأنه أن يؤدي الى نفس مصدر المياه في عمق الأرض، وأنه يجب ان يكون الحفر على أبعاد معينة، حتى تكون الاستفادة أكثر، وطلب ان تكون مسافات الحفر ما بين 7-10 أمتار بين كل موقع، وهو ما أيده كبير المهندسين ويؤكد سلامة وجهة نظر المغفور له رحمه الله، والأمر نفسه بالنسبة لمشاريع التشجير، وضرورة ترك مسافة كافية بين كل شجرة وأخرى لاتاحة الفرصة للنمو والتوريق وأخذ الحصة الكافية من المياه وهو ما تؤكده الأبحاث الزراعية·
الحس العربي القومي العالي
يقول المقدسي: أتذكر كيف كان المغفور له يتابع أحداث حرب أكتوبر المجيدة عام 1973 بكل تفاصيلها وتداعياتها على الجبهتين المصرية والسورية، ويجري كثيراً من الاتصالات، ويتابع عن كثب كل المجريات والأحداث وما يدور في العالم، وفي مؤتمر صحفي بقصر البحر يوم 21 اكتوبر 1973 في وجود عدد كبير من الصحافيين العرب والأجانب ونتداول ونفكر فيما يعلنه الفقيد الراحل وكيف أعلن قرار قطع النفط عن الدول التي تساعد وتدعم العدوان الاسرائيلي، ودوت كلمته الشهيرة: 'ان البترول العربي ليس أغلى من الدم العربي' الى العالم بأسره، فلقد كان رحمة الله عليه قائدا ورمزا عربيا وقوميا فريدا، ويتمتع بحس وشعور عربي وقومي يندر أن يجيد الزمان بمثله·ويتذكر القدسي ايضا تفاصيل زيارة المغفور له الخارجية التي بدأها من بغداد عام 1975 ومن ثم سوريا والأردن ومصر وليبيا وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا والعودة الى السعودية ومن ثم الامارات: فكان دائم الحرص والدعوة الى لمّ الشمل العربي·