الجمعة 17 ابريل 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم

كعك العيد خرج من القصور ليعيش في الحارات

كعك العيد خرج من القصور ليعيش في الحارات
2 نوفمبر 2005

القاهرة ـ د· أحمد السيد:
لعيد الفطر فرحة وبهجة خاصة، تغنى بها الشعراء والأدباء، منوهين بمقدمه السعيد بعد شهر الصيام، وهلال شوال ظل على الدوام من أحب الأهلة إلى الناس كافة، وبه يضرب المثل بالشيء البهيج الذي يسر به الناس ويحتفلون بثبوت رؤيته والنظر إليه·
وإلى جانب ترحيب الشعراء بهلال شوال فقد اعتاد المسلمون في الكثير من الأقطار أن يحافظوا على طقوس ومظاهر احتفالية التصقت دوما بعيد الفطر، أهمها كعك العيد· ويبدو ذلك واضحا في الأراضي التي خضعت لحكم الفاطميين الذي امتد ليشمل شمال افريقيا من تونس إلى مصر بالإضافة إلى بلاد الشام والحجاز ونجد واليمن· ماذا تبقى من عيد ايام زمان···وهل صمد أمام العولمة والتغيير التكنولوجي الإعصاري؟
الدولة الفاطمية كانت في طليعة الدول الإسلامية التي اهتمت بالاحتفال بقدوم عيد الفطر إذ كانت للفاطميين فيه طقوس خاصة نلمح أثرها إلى اليوم· ففي يوم العيد كان الخليفة يجلس في قاعة وعن يمينه الوزير ثم الأمراء كل في المكان المخصص له ويتبعهم الرسل من جميع الولايات وهم وقوف في آخر الإيوان·
وبعد أن يستعرض الخليفة الدواب بفرسانها ويتلى القرآن بمجلسه يحمل إليه فطوره الخاص المعطر بالمسك والعود والكافور والزعفران مع أنواع البلح الملونة التي يستخرج ما فيها وتحشى بالطيب وغيره، فيأخذ ثمرة يفطر عليها ويناول مثلها للوزير فيظهر الفطر عليهم· ثم يفعل ذلك مع بقية المدعوين فيجعلون في أكمامهم ما يناولهم اياه بعد تقبيله·
ثم يأذن الوزير بناء على أمر الخليفة بافتتاح السماط والسماح للحاضرين بالأكل منه وأخذ ما يشتهون· وبعد سماط الإفطار يخرج الخليفة مع حواشيه إلى مصلى العيد خارج باب النصر، وهو مصلى كبير قائم على ربوة وهو مبني بالحجر وله سور وفي صدره قبة كبيرة فيها محراب ومنبر· ويكون خروج الخليفة من باب خاص بالقصر يعرف بباب العيد ويستعرض الجند في طريقه إلى المصلى ويعود بعد الصلاة فيدخل من ذات الباب، وفي القصر يمد سماط الكعك ليأكل الجميع منه حتى قرب الظهر·
ألعاب البرقية
وكان موكب العيد في العصر الفاطمي حافلاً بأنواع من المرح ليشاهدها الخليفة عند ذهابه وايابه من المصلى، ويتولى القيام بها طائفة من ارباب الرواتب تعرف بالبرقية أو صبيان الخف فيركب جماعة منهم على خيول ويركضون وهم يتقلبون عليها· ثم يخرج الواحد منهم من تحت إبط الفرس وهو يركض ويعود ويركب من الجانب الآخر ويعود وهو على حاله· لا يتوقف ولا يسقط منه شيء إلى الأرض· ومنهم من يقف على ظهر الحصان فيركض وهو واقف·
وإذا عاد الخليفة من صلاة العيد مارا بباب النصر وجد بعض هؤلاء البرقية قد مدوا حبلين مسطوحين من أعلى باب النصر إلى الأرض· حبل عن يمين الباب وآخر عن شماله، وينزل على الحبلين طائفة من هؤلاء على أشكال خيل من خشب مدهون وفي أيديهم الرايات وخلف كل واحد منهم رديف وتحت رجليه آخر معلق بيديه ورجليه·
حارة العيد
وبعض هذه المظاهر الاحتفالية مازالت موجودة في مختلف المدن والقرى المصرية· ففي أيام العيد تنشأ 'حارة العيد' في أي مساحة من الأرض الفضاء، ويصل إليها الحواة ولاعبو الأكروبات والأراجوز، وقد يكون هناك سيرك بمساحة صغيرة أو مسرح شعبي، فضلا عن باعة لعب الأطفال ومن يقومون بتأجير الدواب لركوب الأطفال 'كالخيول والحمير' أو دراجات الركوب· وتسمية هذا 'المحفل' اللاهي باسم حارة العيد ووجود الحواة به وأصحاب الدواب من بقايا مظاهر الاحتفال الفاطمي القديم بعيد الفطر، ولكن دون حاجة لخليفة أو رئيس يتابع هذه المظاهر· فقد ذهب ولي الأمر وبقي العامة والأطفال وحدهم في حارة العيد·
وإلى الفاطميين يرجع الفضل الأكبر في اهتمام أهل مصر وبلاد الشام أيضا بعمل كعك العيد، ولا نقول كل الفضل، لأن الدولة الأخشيدية التي حكمت مصر والشام قبل مقدم الفاطميين من شمال افريقيا سبقت الدولة الفاطمية في العناية بكعك العيد·
وتشير الروايات التاريخية الى أن أحد الوزراء الاخشيديين أمر بعمل كعك حشا بعضه بالدنانير الذهبية وأطلقت عليه آنذاك 'افطن له' أي للدينار الذهبي بداخله·
أما الفاطميون فقد توسعوا في العناية بكعك العيد وجعلوا من عمله وتوزيعه عادة شعبية راسخة لا تقطعها أي ضائقة اقتصادية أو تطور تقني وغذائي·
فقد أنشأ الفاطميون أول، وربما آخر، إدارة حكومية متخصصة في صناعة كعك العيد وقد عرفت هذه الإدارة باسم 'دار الفطرة'، وكانت مهمتها تقتصر على تجهيز الكميات اللازمة من كعك العيد وحلوى كانت تعرف بكعب الغزال ومازالت تصنع إلى اليوم في مصر لتوزيعها، ولاعداد سماط العيد الذي يحضره الخليفة بنفسه ويفتتح الأكل منه·
إعداد الكعك
وكان العمل في اعداد هذه الكميات الهائلة من كعك العيد يبدأ من شهر رجب وحتى منتصف رمضان· ووفقاً لما ذكره المؤرخون، فقد كانت الخلافة الفاطمية ترصد لإعداد هذه الأصناف ميزانية ضخمة بلغت في بعض السنوات 16 ألف دينار ذهبي 'وزن الدينار = 4,25 جرام' لشراء الدقيق وقناطير السكر واللوز والجوز والفستق والسيرج والسمسم والعسل وماء الورد والمسك والكافور·
وكان انتاج دار الفطرة يمد في سماط هائل ليبدو كجبل عظيم أمام شباك القصر الفاطمي حيث يجلس الخليفة بعد صلاة العيد، ليشاهد بعينيه الناس وهم يأخذون الكعك لأكله أو اهدائه أو بيعه في الأسواق البعيدة عن القاهرة·
كما ان الفاطميين لم يختصوا رجال الدولة وموظفيها بهدايا أو ارساليات من كعك العيد وانما سمحوا لعامة الناس، بنهب سماط كعك العيد من أجل مظاهر المرح المصاحبة لتزاحم الناس ولضمان أوسع قدر من المشاركة الشعبية·
ورغم محاولات صلاح الدين الأيوبي القضاء على كل ما يمت بصلة للخلافة الفاطمية، ونجاح بعض هذه الجهود، فإن كعك العيد ظل ظاهرة تقاوم كل من سعى لوقفها، حتى ان بعض أمراء البيت الأيوبي احتفظوا بالطباخات اللاتي عملن في القصور الفاطمية ودار الفطرة لإنتاج الكعك، ومن أشهرهن طباخة كانت تعمل كعكا شهياً عرف باسمها 'كعك حافظة' وصار مضرب المثل لجودة الكعك· ومع ان المماليك اقلعوا، أسوة بالأيوبيين، عن عادة تحمل الدولة أعباء صناعة الكعك في عيد الفطر، فان الاهتمام بكعك العيد لم ينقطع خلال فترة حكمهم بمصر والشام·
أوجه البر
واعتبر سلاطين وأمراء المماليك كعك العيد وتوزيعه من أوجه البر والصدقات على الفقراء حتى لا يحرموا منه في عيد الفطر، طالما كان الأغنياء والمستورون يصنعون الكعك·
ونجد صدى هذا الاهتمام المملوكي في وقفيات المنشآت الدينية· ففي بعضها إشارات واضحة لاشتراط الواقف على ناظر الوقف ان يقوم بعمل الكعك وتوزيعه على موظفي الجوامع والمدارس، وتلاميذ المدارس والكتاتيب· ومن أشهر وثائق الوقف التي تحدثت عن كعك العيد، تلك التي تخص مدرسة الأميرة 'تتر الحجازية' أخت السلطان الناصر محمد بن قلاوون، حيث نصت على توزيع صنفين من الكعك على موظفي وطلاب مدرستها المشيدة، بمحض الصدفة في رحبة العيد 'بحي الجمالية'· وسمي الصنف الأول بالكعك الناعم لكثرة إدامه، والثاني بالكعك الخشن· ولو التزمت وزارة الأوقاف المصرية بالنصوص الحرفية لوثائق الوقف المملوكية لتحول جزء معتبر من أنشطتها إلى إنشاء مخابز لانتاج كعك العيد·
وكان أهل مصر، ومازالوا يتباهون بالكعك ويتفاخرون بإجادته· فيحدثنا محمد بن المسعودي وكان يسكن درب الاتراك بجوار الجامع الأزهر أنه ذات سنة جاءه في عيد الفطر من الجيران أصناف الكعك على عادة أهل مصر حتى امتلأ بها زير كبير لأن هذا الخط كان يسكن به الأكابر والأعيان·
باب زويلة
ونظرا لرواج الكعك في عيد الفطر، كان سوق الحلويين بالقاهرة 'داخل باب زويلة' يتيه فخرا خلال العشر الأواخر من رمضان بما يعرض في حوانيته من أصناف الكعك·
وكان للفن أيضا دوره في صناعة الكعك، إذ عملت له القوالب المنقوشة بشتى أنواع الزخارف الإسلامية ولاسيما الهندسية والنباتية منها وكانت بعض هذه القوالب على هيئة بعض الحيوانات والطيور·
وضمن مقتنيات متحف الفن الإسلامي بالقاهرة مجموعة من قوالب الكعك مكتوب على بعضها عبارات متنوعة منها 'كل هنيا' و'كل واشكر' و'كل وأشكر مولاك' و'بالشكر تدوم النعم'·
كعك اليوم
وإلى يومنا هذا يواظب المصريون على عاداتهم القديمة في عمل كعك العيد والتفاخر بها وما انفقوا في اعداده من أموال لشراء السمن والنقل ولم تفلح عوادي الدهر ولا ضيق ذات اليد في تقليص مساحة الاهتمام الشعبي بهذا الكعك·
ويبدو انه قدر لكعك العيد ان يظل واحداً من أخص مظاهر الاحتفال بعيد الفطر في مصر وبلاد الشام، مهما تغيرت المذاهب وتبدلت الدول ومهما ارتفعت أو انحدرت مستويات الأجور والدخول، تماما كما اراد له الفاطميون··· ويا لها من ارادة·
المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©