الأربعاء 27 مايو 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
الأخبار العالمية

إمارة حيداب

7 ديسمبر 2005

د· فالح حنظل
في منطقة كردستان ذات الجبال الوعرة، والتي تمتد من إيران إلى العراق فتركيا، ثم إلى داخل سوريا قليلاً، يعيش في قراها المنتشرة بين وديانها الخضراء وجبالها الصماء، الشعب الكردي بقوميته المميزة وبإسلامه الذي لا يحيد عنه وبتراثه الخالد· وإلى جواره تنتشر قرى المسيحيين النساطرة الذين عاشوا في تلك الربوع منذ عهد المسيحية الأول، وما زالت ديارهم القابعة بين الجبال الصخرية الصماء تُسمَعُ فيها الصلوات المسيحية تؤدى باللغة الكلدانية التي هي لغة سيدنا المسيح عليه السلام، وفي زوايا جبلية أخرى بين المسالك والأخاديد الساكنة الهادئة، توجد قرى عامرة لقوم آخرين يسكنون كردستان في أرض العراق، وهم اليزيديون عبدة الشيطان ومن بين هذا الثالوث قامت إمارة باسم (حيداب) أهلها يهود، وكانت عاصمتها مدينة أربيل وهذه الإمارة وان لم تعمر أكثر من مئة عام، لكنها تروي قصة اليهود الذين عاشوا في كردستان العراق لمدة 2500 عام تقريباً قبل أن يغادروها نهائياً حوالى عام 1950م·
جاء في سفر الملوك الرابع في التوراة مايلي:
' ··وفي أيام فاقح ملك إسرائيل، جاء 'تجلت فلاسر' ملك آشور، وأخذ عيوناً وإبلاً لبيت معكه· ويا نوح، وقادش، وحاصود، وجلعاد، والجليل وجميع أراضي نفتالي وجلاهم إلى آشور'·
قامت الامبراطورية الأشورية في العراق، وكانت دولة عسكرية النزعة، لذلك فقد ضمت معظم أراضي العراق وإيران وسوريا وبعض أقسام مصر، كما تمكنت من إخضاع مملكة إسرائيل وعملت على التمهيد لإزالتها، وذلك قبل السبي البابلي الشهير الذي قام به 'نبوخذ نصر'، لأن السبي الأشوري سبق السبي البابلي· فعلى عهد الملك الأشوري 'شلما نصر' الذي ظهر في عام 800 قبل الميلاد، جرى إخضاع الآراميين والفينيقيين وإسرائيل، وقد عثرت فرق الاستكشاف التي كانت تحفر في موقع 'نمرود' على مسلات عليها صور لحملات هذا الملك، مثل أخذه الجزية من 'بهو' ملك إسرائيل الذي يُرى ساجداً على الأرض يقبل أقدام 'شلما نصر'··
ومن أشهر الحملات الآشورية، حملة الملك الآشوري 'تجلات بلاسر' في عام 732 قبل الميلاد فقد جاء في التوراة مايلي: وجه ملك (آحاز) رسلا إلى (تجلت فلاسر) ملك آشور قائلاً: 'أنا عبدك وابنك فاصعد وخلصني من يد ملك آرام ويد ملك إسرائيل القائمين عليَّ'·
وقد تمكن هذا الملك الآشوري من دخول دمشق، ثم توجه نحو إسرائيل وكان ملكها يسمى 'فاقح'، واستولى على كل مدنها، وقد قام بحملته هذه استجابة لطلب 'آحازين ياثوم' ملك يهودا المنشقة عن مملكة إسرائيل وقد جاء في كتابات 'تجلات بلاسر' مايلي: 'قُمتُ بضم جميع مدن بيت عومري ولم أترك سوى مدينة السامرة، أخذت نفتالي بأسرها، وضممتها إلى آشور وعهدت برجالي حكاماً عليها وجميع سكان بيت عومري وممتلكاتهم حملتها إلى آشور' ثم جَرَّد الملك الآشوري 'شلما نصر الخامس' حملة تأديبية على إسرائيل، فحاصر عاصمتها السامرة مدة ثلاث سنوات·
وتحدثنا التوراة في سفر الملوك الرابع عن الآثام والمعاصي التي ارتكبها بنو إسرائيل، فتقول إنهم فعلوا أفعالاً سيئة لإسخاط الرب، وعبدوا أقذر الأصنام، فرذل الرب جميع ذرية إسرائيل وأذلهم، وأسلمهم إلى أيدي الناهبين حتى نبذهم من وجهه· وقد وقع هذا على زمن الملك الآشوري 'سرجون الثاني'· أي الملك الصادق الذي حكم عام 722 قبل الميلاد، وقد هاجم هذا الملك إسرائيل وأوشك أن يزيلها من الوجود غير أن السبي الآشوري الأكبر وقع على زمن ابنه 'سنحاريب' الذي خلفه في عام 704 قبل الميلاد· وهذا الملك هاجم مملكة يهوذا في العام الرابع لحكمه أي 701 قبل الميلاد، فتقول كتابات سنحاريب التي نقشت على جدران قصره في نينوى في الموصل في العراق وعلى لسانه مايلي:
'أما حزقيا اليهودي فلم يرضخ لسلطتي، فحاصرت 46 مدينة من مدنه المحصنة عدا القرى المجاورة التي لا يحصى عددها، واستوليت عليها كلها باستخدام أنواع الآلات الحربية والمنجنيقات، مما ساعدنا على الاقتراب من الأسوار واختراقها، وقد أخذنا منهم 'مائتي ألف 'نسمة رجالاً ونساء أطفالاً وشيوخاً مع حيواناتهم من الخيول، والبغال، والحمير، والجمال كبيرة وصغيرة لا تحصى· وهذه كلها غنائم استولينا عليها، وهو شخصياً جعلته حبيساً في أورشليم في قصره كالطير في القفص، وأحطته بأكوام من الأتربة للتضييق على كل من حاول الخروج من المدينة'·
أما التوراة فتقول في سفر الملوك الرابع: وفي السنة الرابعة عشرة للملك حزقيا صعد سنحاريب ملك آشور على مدن يهودا إلى ملك آشور في لاكيش وقال له لقد أخطأت فانصرف عني، ومهما تضرب علي أنفذ إليك، فضرب ملك آشور على حزقيا ملك يهوذا مئة قنطار فضة وثلاثين قنطار ذهب·
الأسباط العشرة المفقودة
ومن الجدير بالذكر في رواية السبي الآشوري لليهود، أن قصتهم هي قصة اليهود الذين سكنوا جبال كردستان في شمالي العراق، فطبقاً لسياسة الدولة الآشورية في تشتيت الأسرى إلى مناف نائية منعزلة عن أي تجمع سكاني قريب لكي لا يتمكنوا من لم شعثهم وبالتالي العودة إلى المناطق التي جاؤوا منها، لذلك أبعدوهم إلى جبال كردستان في العراق وتركيا وإيران، ولقد ورد في نص التوراة الأماكن التي توزع فيها اليهود، وهي 'صلح' و'خابور' و'هار'· وقد أسمى الباحثون هؤلاء اليهود الذين سكنوا الجبال والسهول وامتهنوا الزراعة 'الأسباط العشرة المفقودة'، وهؤلاء قلدوا الأكراد في نمط معيشتهم وصاروا مزارعين·
ومن الجدير بالذكر أن هؤلاء اليهود، وإلى أن قامت إسرائيل في عام 1948 كانوا في العراق يتكلمون اللغة الآرامية الشرقية القديمة، وهؤلاء القوم كانوا أول من هاجر من العراق إلى إسرائيل بعد قيام الدولة الإسرائيلية· وقد أكد 'بنيامين التطيلي' اليهودي الذي زار المنطقة في حوالي عام 1165 للميلاد أنه شاهد في بلدة 'العمادية' بالعراق خمسة وعشرين ألف يهودي يؤدون الجزية للمسلمين مثل سائر اليهود المقيمين في البلاد العربية، وتكلم أيضاً عن أرض نهاوند فقال إن فيها شيخ الحشاشين - يقصد الإسماعيلية - ويقيم معهم حوالى أربعة آلاف يهودي·
العرب ··وحزّة
وقد ذكر الدكتور أحمد سوسة في كتابه الموسوم 'العرب واليهود في التاريخ' خبر إمارة 'حدياب اليهودية' التي تأسست في وسط منطقة كردستان، فقال عنها: إنها ازدهرت في القرن الأول بعد الميلاد، ويسميها العرب 'حزة' وهي تقع ضمن مملكة آشور القديمة شرقي دجلة، وتمتد بين النهر وأذربيجان، ثم توسعت لتشمل بلدة نصيبين غرباً· وكان ملك هذه الإمارة اسمه 'إيزاط الأول' يهودياً والملكة الأم اسمها 'هيلانة'، أما العاصمة فكانت بلدة أربيل، وقد دام حكم هذه الإمارة 75 عاماً عندما غزاها 'تراجان' امبراطور روما في حوالي عام ''115 الميلادي وقد التزمت هذه الإمارة بولائها واسنادها ليهود القدس·
وقد وصفها أحد الآباء الكنسيين بقوله: أما 'حدياب' وأسماها العرب 'حزة'، فموقعها بين الزابين، وفي الجيل الأول للمسيح كان يملك فيها ملك اسمه 'إيزاط' قال عنه يوسيفوس المؤرخ اليهودي: إنه اعتنق اليهودية على يد حنينا وقد اشتهرت أمه 'هيلانة' أثناء المجاعة التي حدثت في زمانها في أورشليم عندما جلبت القمح من مصر ووزعته على أهالي المدن· وتحدث عن هذه الإمارة طبيب أمريكي ومبشر أيضاً اسمه غرانت في كتابه 'النساطرة ومجاوروهم المسلمون' المطبوع في برنستون عام ·1961 فقال إن عدد النساطرة المسيحيين في منطقة 'حدياب' التي كانت تحت حكم يهودي خلال القرن الأول للميلاد يبلغ مائة ألف نسمة، وقد كان أجداد هؤلاء يهوداً من الأسباط العشرة قبل تنصرهم في أعقاب ظهور السيد المسيح ·
ويعلق الدكتور أحمد سوسة على هذا الموضوع فيقول: عندما نقول إمارة يهودية وجدت في هذا القطر أو ذاك في ذلك الزمان، فهذا لا يعني أن يهوداً جاؤوا من فلسطين واستولوا على الحكم في ذلك القطر، فإمارة 'حدياب' كان حاكمها اسمه 'مونوباس' تزوج من اخته 'هيلينا' وهما وثنيان، إذ يجوز زواج الأخت عند الوثنيين، فأنجب ولدا اسمه 'إيزاط' وهذا التقى باليهود الذين تم سبيهم فاعتنق ديانتهم وصار يهودياً·
فتنة بن الروحي
ومن أخبار ما فعله اليهود في شمالي العراق أثناء تواجدهم هناك، هو ما ذكره 'بنيامين التطيلي اليهودي' عن فتنة 'داود بن الروحي' اليهودي في بلدة العمادية، فقال: 'قامت في العمادية فتنة داود بن الروحي، وكان هذا قد تلقى العلم في بغداد عند (حسداي رأس الجالوت)، وعند (علي رأس المثيبة غاؤون يعقوب)، فتضلع بالتوراة والفقه والتلمود وسائر العلوم، وبرع في لغة المسلمين وآدابهم، ونبغ بفنون السحر والشعوذة، فدخل في روعه أن يعلن على ملك العجم ويجمع حوله اليهود القاطنين في جبال 'حبتون' ومقاتلة النصارى المتمكنين من أورشليم والاستيلاء عليها وطردهم منها، فشرع ينشر دعوته بين اليهود ويقول لهم: إن الله قيضني لفتح القدس وإنقاذكم من نير الاستعباد، فآمنت به جماعة من بسطاء اليهود، وحسبوا أنه المسيح المنتظر، فلما استفحل أمره وطرق حديثه أسماع ملك العجم أرسل في طلبه، فلما مثل بين يديه من غير خوف أو وجل، سأله السلطان: أصحيح أنك ملك اليهود··؟ فقال: نعم، فأمر السلطان بالقبض عليه وزجه في السجن·
وبعد ثلاثة أيام وبينما كان السلطان بمجلسه، وإذا بداود يظهر أمامه طليقاً بلا قيود، فدهش السلطان وسأله كيف فك قيوده وخرج من السجن، فأجابه: إنها حكمتي ودهائي، وأنا لا أخافك ولا أخاف وزراءك، فلما أمر السلطان الجند أن يقبضوا عليه، اختفى وكانوا يسمعون صوته ولا يرون شكله، وتستمر حكاية هذا الرجل الذي اتخذ من بلدة العمادية مركزاً لدعوته، بينما راح حكام العجم والعرب يسومون اليهود العذاب لكي يقضوا على ثورته، إلى أن تمكنوا من ذلك في عام 563هـ 1167م·
وفي الكتاب الذي أصدره المجمع الثقافي في أبوظبي، بعنوان رحلة بنيامين التطيلي، ترجمة عزرا حداد وتقديم الدكتور عبدالرحمن عبدالله الشيخ، هناك ملحق بالكتاب عن هذا الموضوع، وقد جاء فيه أن تاريخ وقوع هذه الفتنة كان في عام 1160م أي في خلافة المقتفي العباسي، فقد ورد خبر هذه الفتنة في كتاب اسمه 'بذل المجهود في إفحام اليهود' لمؤلفه صموئيل بن يحى بن عباس المغربي الذي اعتنق الإسلام ببغداد سنة ،1162 وهو أن يهود الأعاجم وأهل نواحي العمادية وسواد الموصل استجابوا لدعوة داود ونفروا إليه بالسلاح المستتر حتى صارت عنده جماعة كثيفة، فلما وصل الخبر إلى بغداد اتفق شخصان من محتالي اليهود ودواهيهم فكتبا على لسان داود كتباً إلى يهود بغداد تبشرهم بالفرج وأنه في ليلة واحدة سيطيرون إلى بيت المقدس، فانقاد إليهما عدد من السذج اليهود وذهبوا بأموالهم وحليهم إلى ذينك الشخصين ليتصدقا على من يستحق بزعمها، واكتسوا ثياباً خضراء واجتمعوا على السطوح ينتظرون الطيران بزعمهم على أجنحة الملائكة، وصارت النساء تبكي خوفاً من أن يطرن قبل أطفالهن المرتضعين، إلى أن أصبح الصبح وكشف عن خذلانهم ونجا المحتالان بأموال اليهود، فصار يهود بغداد يسمون ذلك العام 'عام الطيران'، وهكذا فإن ما تبقى من أخبار يهود السبي الأول الذي هو السبي الآشوري، موجود في الرواق الآشوري بالمتحف البريطاني، أما اليهود أنفسهم فإن آخر فرد منهم غادر العراق عام ،1950 ولم يبق الآن إلا بعض أطلال مساكنهم التي عاشوا فيها 2500 عام·
نبوخذ نصر ·· وأورشليم
جاء في سفر الملوك الرابع من التوراة ما يلي: 'وفي السنة التاسعة من ملكه، في اليوم العاشر من الشهر العاشر، وفد نبوكد نصر ملك بابل هو وكل جيوشه على أورشليم، ونزل عليها وبنى مترسة حولها، فدخلت المدينة تحت الحصار إلى السنة الحادية عشرة للملك صدقيا، وفي اليوم التاسع من الشهر الرابع اشتد الجوع في المدينة، ولم يكن خبز لشعب الأرض، فثغروا المدينة واجتمع جميع رجال الحرب ليلاً فجرى جيش الكلدانيين على أثر الملك فأدركوه في صحراء أريحا، وقد تفرق عنه جميع جيشه فأخذوا الملك، وأصعدوه إلى ملك بابل في ربلة وتلوا عليه القضاء''· هكذا قالت التوراة عن السبي العراقي الثاني لليهود في فلسطين، وهو النصر الذي حققه الملك 'نبوخذ نصر' على 'يواقيم بن يوشا' ملك اليهود، في حملتين قام بهما، الأولى في عام 597 ق·م، والثانية في عام 586 ق·م·· وكانت نتيجة هذه الحرب أن نبوخذ نصر قضى على مملكتي إسرائيل ويهودا الهزيلتين· فمن هو نبوخذ نصر·· وما هي قصة السبي البابلي لليهود وسوقهم إلى العراق وما أبعاد ذلك في الفكر والتراث اليهودي؟ بعد انقراض الدولة الآشورية بسقوط عاصمتها 'نينوى' سنة 216 قبل الميلاد، تأسست في العراق دولة باسم الدولة البابلية الكلدانية·· وفي سنة 605 ق·م تولى الحكم في هذه الدولة الملك 'نبوخذ نصر' ودام حكمه 43 عاماً، وهو الذي قضى على دولة إسرائيل، والذي حدثتنا عنه التوراة وبعض المصادر الأخرى·· ويبدو من سرد الرواية الإسرائيلية أن الملك اليهودي 'يواقيم' كان حليفاً للملك البابلي، ولكنه لم يثبت على عهده، بل انقلب عليه رغم تحذير النبي 'إرميا' له فجهز 'نبوخذ نصر' عليه بجيش قاده بنفسه وحاصر 'أورشليم' عام 597 قبل الميلاد· وفي أثناء الحصار مات الملك اليهودي وخلفه ابنه 'يهو ياقيم'، فأسره الجيش البابلي هو وأمه ونساءه وحاشيته وأشراف مملكته ورجال حربه والصناع والأقيان وبعثوهم إلى بابل، ولم يبق في أورشليم إلا مساكين شعب الأرض، وكان من أشهر السبايا النبي دانيال·
ثم قام نبوخذ نصر بتعيين 'صدقيا' عم الملك الأسير، حاكماً على إسرائيل، ولما وصلت قوافل الأسرى اليهود إلى مدينة بابل، شاهدوا هناك جالية من أبناء بلدتهم، أسرى الحرب الآشورية السابقة، تم نقلهم إلى منطقة اسمها 'نهر الخابوق'، لكن 'صدقيا' نقض العهد مع نبوخذ نصر، فرفع لواء العصيان ودخل في حلف مع 'حوفر' ملك مصر، فما كان من نبوخذ نصر إلا أن قاد جيشاً بنفسه وحاصر أورشليم مرة أخرى، وتفشت المجاعة والأوبئة في المدينة، إلى أن استسلمت سنة 586 قبل الميلاد، وهنا قرر نبوخذ نصر أن يدمر المدينة، فدمرها، وأحرقها، وسلب خزائنها·
الآدميون'··و ديار يهودا
أما 'صدقيا' فقد سملوا عينيه بعد أن أحرقوا المعبد أمامه، وشدوه بسلاسل من نحاس، وأتوا به مع خمسين ألف أسير إلى بابل· وبعد أن تم هذا الخراب لأورشليم، وسبي اليهود، ورث 'الآدميون' ديار يهودا الجنوبية من الخليل إلى بئر السبع ثم إلى وادي عربة· أما اليهود المسبيون في العراق، فقد باشروا بتوطيد أركانهم ولم شعثهم، وتعاطى فريق منهم التجارة والزراعة وراحوا يمارسون شعائرهم، بل إن النبي 'دانيال' كسب شهرة في أوساط البابليين· وفي بابل انبرى جماعة من فقهاء اليهود فباشروا بوضع 'التلمود البابلي' الشهير، وبينما هم على هذه الحال، وإذا بجيوش فارسية تأتي من الشرق يقودها الملك 'كورش' تدخل بابل وهي في طريقها لاحتلال سوريا وفلسطين، فأمر بفك أسر اليهود، وسمح لهم بالعودة إلى أورشليم، وأعاد لهم كنوزهم، وأمر بإعادة بناء الهيكل هناك، ويرجح المؤرخون أن الذين رجعوا لأورشليم، انحصروا بالفاشلين من اليهود، الذين لم ينجحوا في مكاسبهم في العراق ومعهم المتعصبون·
أما الذين بقوا في العراق فقد استمتعوا، وهم تحت الحكم الفارسي، بمقدار كبير من الاستقلال الذاتي، وتميزت تلك الفترة بنشر جزء كبير من الأدب والثقافة اليهودية، بحيث صارت مدينة بابل مركزاً للدراسات التلمودية· كما أن النبي 'حزقيال' كتب في العراق منهجاً لشعب إسرائيل، بحيث أضحى التلمود البابلي أقوى من التلمود الفلسطيني وإلى يومنا هذا· وقد ترك يهود العراق مزارات لأنبيائهم، لا زالت موجودة هناك، وأشهرها قبر عزرا، الكاهن المعروف باسم 'العزير'، ويقع على مسافة اثنين وعشرين ميلاً عن ملتقى الرافدين، حيث تكثر المستنقعات والأهوار هناك، ويعتبره اليهود كاتب الشريعة ورائد بني إسرائيل· أما المزار الثاني المشهور، فهو مزار النبي 'حزقيال'، يسميه العرب 'الكفل' وقد ورد ذكره في القرآن الكريم على أنه 'ذا الكفل'، وقيل إنه سمي 'الكفل' لأنه كفل شعب إسرائيل بالنجاة من أسر البابليين· وقبره موجود على مسافة عشرين ميلاً جنوبي بلدة الحلة، ويعتبر هذا المكان مقدساً حتى اليوم عند اليهود، وكانوا يزورونه في 'عيد الكفارة' وفي يوم الغفران 'الكبور'·
المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©