إلى جانب عيدي الفطر والأضحى، اعتاد المسلمون أن يحتفلوا بالعديد من المناسبات الإسلامية، مثل المولد النبوي الشريف، وذكرى الهجرة النبوية، وذكرى الإسراء والمعراج، وليلة النصف من شعبان، وفي الوقت الذي يرفض فيه بعض العلماء الاحتفال بهذه المناسبات، ويرونه من باب البدع، يبيح آخرون الاحتفال بهذه المناسبات الإسلامية شريطة ألا تشتمل على ما هو منهي عنه شرعاً.
وشدد علماء من الأزهر على أنه لا بأس من الاحتفال بالمناسبات الإسلامية المختلفة إذا كان الهدف من ذلك إدخال السرور والفرحة والبهجة على قلوب المسلمين.
يوضح الدكتور إبراهيم نجم - مستشار مفتي الديار المصرية - أن المناسبات إما أن تكون دينية أو دنيوية، والاحتفال بها أمر مرغب فيه إذا لم تشتمل على ما هو منهي عنه شرعاً، وبشرط أن يكون الاحتفال خالياً من المحرمات كالاختلاط المحرم ونحو ذلك، وليس في الشرع ما يمنع من أن تكون هناك مناسبة، ولا صلة لهذا بمسألة البدعة التي يرددها كثير من الناس، فإن البدعة المردودة هي ما أُحدث على خلاف الشرع، لقوله صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، وقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم العرب على احتفالاتهم بذكرياتهم الوطنية وانتصاراتهم التي كانوا يتغنون فيها بمآثر قبائلهم وأيام انتصاراتهم، كما في الصحيحين عن عائشة - رضي الله عنها - أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دخل عليها وعندها جاريتان تغنيان بغناء يوم بُعاث.
ويضيف: إذا اندرج الاحتفال بتلك المناسبات الخاصة تحت أصل شرعي كشكر النعمة والتحدث بها وتذكر أيام الله، وإدخال السرور على المؤمن، فقد انسحب حكم ذلك الأصل عليها، وخرج عن أن يكون بدعة مذمومة على ما قرره الفقهاء والأصوليون وجرى عليه عمل الأمة سلفاً وخلفاً في مفهوم البدعة.
السرور والفرحة
ويقول الدكتور محمد رأفت عثمان - أستاذ الفقه بجامعة الأزهر، وعضو مجمع البحوث الإسلامية: لا بأس من الاحتفال بالمناسبات الإسلامية المختلفة إذا كان الهدف من هذا الاحتفال إدخال الفرحة والبهجة على قلوب المسلمين، حيث تعد هذه المناسبات مظهراً من مظاهر الفرح والسرور في الإسلام وشعيرة من شعائره التي تنطوي على حكم عظيمة ومعان جليلة فالإسلام لم يأت ليكون طوقاً حول رقبة معتنقيه، بل جاء تلبية لحاجة الإنسان الفطرية مادية وروحية وكان مقصده الأسمى في تشريعاته وأحكامه ضبط العلاقة بين الروح والجسد وبين الدنيا والآخرة، فقال الله تعالى: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا .
.
.
)، «سورة القصص: الآية 77»، ومن مظاهر هذا المقصد الإسلامي استحباب الاحتفاء بالأعياد وغيرها من المناسبات الإسلامية، ومشروعية الترويح عن النفس من هموم الحياة.
ويشدد على ضرورة أن تعلي الأسر المسلمة من شأن الأعياد والمناسبات الإسلامية المختلفة، بحيث لا تكون مجرد فرصة للهو والترويح عن النفس فقط، وإنما لا بد أن تكون إلى جانب ذلك فرصة للتقرب إلى الله تعالى، وشكره على إتمام النعمة، فالأعياد والمناسبات الإسلامية لم تشرع من أجل الفرح فقط، بل لتمام البر في المجتمع، حيث يصبح قضية اجتماعية عامة لأمر النبي صلي الله عليه وسلم الأغنياء بإدخال السرور على الفقراء في هذه الأيام وتجنيبهم ذل المسألة.
?ويشير إلى أن إحياء هذه المناسبات له وجوه عدة، فهناك من الذكر والعبادات ومواساة الفقير والمحتاج، والجميع ينشرون جواً من المحبة والوئام في المجتمع بأطيب الكلمات، مشدداً على ضرورة ألا تكون المناسبات فارغة المحتوى والمضمون من الدلالات الأخلاقية والإنسانية وإنما لا بد أن تكون مظاهر لقيم الإسلام وآدابه وجمالياته المعنوية والحسية وفرصة لتجدد الروابط الإنسانية، حيث يتجلى السلوك الطيب والأخلاق الحميدة وتشيع التهاني والقول الحسن بين الناس ويظهر المسلمون بصفة الرحمة التي هي قوام دينهم فتتجدد العلاقات الإنسانية وتقوى الروابط الاجتماعية وتنمو القيم الأخلاقية.
ويضيف: كما يجب أن تكون المناسبات الإسلامية المختلفة فرصة لترسيخ قيم أعمال الخير، بحيث يساعد الغني الفقير وعنوان ذلك الصدقة والإحسان والتوسعة.
أمر مشروع
ويقول الدكتور أحمد كريمة أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر: المناسبات الإسلامية قد تكون فرصة جيدة ليروي الآباء لأبنائهم سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وأخلاقه الكريمة وصفاته وتراحمه، ومن ثم فإن الاحتفال بها أمر مشروع باعتبارها أمراً محبباً ولا شيء فيها يحرمها، ويجب إحياء هذه المناسبات بالذكر والعبادة، والتماس مواطن القدوة في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، والاقتداء به وإحياء سننه، والسير على نهجه وشرعته.
ويضيف: نحن في حاجة إلى هذا النوع من الاحتفال لتذكير الناس بهذه المعاني، وأعتقد أن وراءه ثمرة إيجابية هي ربط المسلمين بالإسلام وربطهم بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم ليأخذوا منه الأسوة والقدوة، أما الأشياء التي تخرج عن هذا فليست من الاحتفال، ولا نقر أحدا عليها.
ويشير إلى أن هناك لوناً من الاحتفال يمكن أن نقره ونعتبره نافعاً للمسلمين، ونحن نعلم أن الصحابة رضوان الله عليهم لم يكونوا يحتفلون بمولد الرسول صلى الله عليه وسلم ولا بالهجرة النبوية ولا بغزوة بدر، ولا بذكرى الإسراء والمعراج لأن هذه المناسبات عاشوها بالفعل، وكانوا يعيشون مع الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان حياً في ضمائرهم، لم يغب عن وعيهم، فلم يكونوا إذن في حاجة إلى تذكر هذه المناسبات، ثم جاء عصر نسي الناس هذه الأحداث وأصبحت غائبة عن وعيهم وعقولهم وضمائرهم، فاحتاجوا إلى إحياء هذه المعاني والتذكير بهذه المآثر التي نسيت، صحيح اتُخِذت بعض البدع في هذه الأشياء، ولكنني أقول: إننا نحتفل من أجل تذكير الناس بحقائق السيرة النبوية وحقائق الرسالة المحمدية، فعندما أحتفل بمولد الرسول فأنا أحتفل بمولد الرسالة، فأنا أذكِر الناس برسالة رسول الله وبسيرته.