متطهراً من الفوضى، متعففاً عن مجالسة المدّاحين ووعّاظ القلق، رأيتهُ صامتاً ينسلُّ إلى الوحدةِ ويعتلي محراب السكون، منكشفاً للضوء وكاشفاً عن فيض قلبه للسماء، متحدثاً فقط إلى الصمت. إنه العارف في أوجِ دوخته العظيمة وهو يبحثُ عن وحدة الوجود في عمق ذاته، ويحاولُ أن يُزيح الفروق الظاهرة في الشكل ويدمجُ المعنى بالمعنى. كأن يقف أمام صورته طفلاً، ويُدرك أن الزمن مجرد فكرةٍ محبوسة في الساعة الرملية، أو أن يقفز في النهر وتجرفه التيارات الدائرية ويصطدم رأسه بالصخرة، كي يفهم أخيراً أن الماء يعود في النهاية إلى الماء، وأن عُملة الحياة لها وجهان هما الموتُ قبل الولادة، والموتُ بعد الولادة، والعمرُ الذي يجري بينهما هو اللحظة الفانية. اللحظة التي ينبغي أن تعاش بكامل الوعي واليقظة لكي تصبحَ خلوداً دائماً.
مع ذلك، لا يصلُ العارفُ إلى لحظة الكشف العظيمة أبداً. وهو إن غاص في المكابدات ومشى على الجمر، وإن طعنهُ الكتبةُ بأقلامهم المنقوعة في السم، وإن سحلوهُ أمام الخائفين أو زجّوه في الوحل، لن يصل إلى الحقيقة ولن يلامس طرفهُ طرفها، بل سيكون قد ذاق لذّة المشي في وعورة المسلك، ولذّة من يضع قدمه على أول الطريق التي لا نهاية لها.
يتجرّد العارف من كل شيء ليكتشف كل شيء. يذهبُ الناسُ لملء بطونهم وهو يذهب لمصارعة الجوع. يكدحُ الرجالُ في طوابير الطاعة بحثاً عن كسرة خبز، وهو يكتفي بالفُتات وبقليلٍ من النار ليكمل رحلته في طريق الأسرار. لا يتلفتُ يميناً حتى لو زأر الوحشُ في أذنيه وبثّت الأفعى فحيحها في روع قلبه. ولا يلتفتُ شمالاً لأن الشمال مرتع المتشككين وصحن دورانهم في سؤال الفراغ.
أيها العارف وأنت رسول ذاتك إلى ذاتك. لماذا أراك جلياً في الكلمات الساكتة، وأسمعُ صوتكَ في صدى سكون الأكوان واطمئنانها؟ لماذا كلما تأملتُ ملياً في المطلق والسديم أراك تمشي على جسرٍ من ضوء نجمة ولا يهمّك أن تلتفت إلى الوراء؟ وكأن المعرفة هي القدرة على التجرّد من الشيء والاكتفاء بإدراك معناه. أو كأنها التوحد والذوبان كلياً في الضوء بحيث تصير أنت الحقيقة ولا داعي حينئذ للبحث عنها.
هل قال العارفون صوتاً؟ هل وصفوا لحظة الاكتشاف والوصول واليقظة؟ بالتأكيد لا. ذلك لأن الذي يصلُ، هو الذي تخلّص من أحماله كلها، وأوّلها بالطبع حِمل إبلاغ الغافلين عن مكان السر ومكمن الكنز.