من بقي أيضاً من شلة الضياع البرليني لم أقدمهم لكم، الإيرلندي «العسل» بطولته الوحيدة التي يمتاز بها عنا ظهور في فيلم «تايتنك» كعازف قربة، وهناك الكندي المحترم، وهو بالتأكيد موظف إداري، حصل على إجازة غير مدفوعة الأجر، ليرافق زوجته الممثلة الجميلة، بقي مكلمكم، وهذا تعرفونه أكثر مما يعرفه أصدقاء مهرجان السينما في برلين الذين عدّوه مع أصغر الرفاق المكسيكي والياباني، وأنه تبدو عليه مهارات ضائعة، لم يحافظ عليها كثيراً، مثل عدم إتقان اللغات، وبالذات الألمانية، وأن ملابسه فيها مبالغة زائدة، معتقداً دائماً أنها تجذب المراهقات، ويحمل من النقد في جيبه من دون أي لزوم، وأنه يمكن أن يحل كل مشاكله في الضياع البرليني بركوبه تاكسياً، ويطلب منه توصيله للفندق في أي لحظة، ومن دون اعتبار لأي قيمة مادية.
انطلقت شلة الضياع البرليني من ذلك الفندق المجبرين عليه، نظراً لأن العروض السينمائية فيه، وهو أقرب «للموتيل عن الهوتيل»، وهذا أمر بالنسبة لي تركته من أيام الكشافة، وحينما كان الحصى رَطِباً، فهو يشبه أي نزل أميركي بائس أول ما يصادفك حين تهم بدخول مدينة متطرفة، بجانب محطة التزود بالوقود، انطلقنا مشياً حتى وصول محطة قطار الأنفاق، فاليوم هو ذكرى توحيد شطري برلين، وتحطيم جدار العزلة بين الألمانيتين، وهو يوم إجازة، والمدينة مشلولة، بقينا أمام ماكينة حجز التذاكر الألمانية العجوز أكثر من نصف ساعة، كنّا يمكن أن نختصرها بدفع خمسين يورو لسيارتي أجرة مناصفة، وتوصلنا خلال ربع ساعة، ولكن التفكير الغربي يختلف عن تفكير أهل العين، ضيعنا نصف ساعة وقت الحجوزات، وخمساً وأربعين دقيقة كدّ في القطار، وتحويلات، ودفعنا 56 يورو للتذاكر، العجيب أن الغرب يظلون يتعثرون ويتعصرون خلال الدفع، والنساء يزدن عليها لحظات من التفتيش والتنبيش في تلك الحقيبة اليدوية الغالية التي ينفضنها نفضاً، ويقل مقدارها ساعة البحث عن العملة المعدنية المتناثرة فيها هنا، والمختبئة هناك.. طبعاً رأيي أن نستقل سيارة أجرة عارضه الجميع بكلمة «نو» بكل اللغات.
أول ما وصلنا بوابة «نورنبيرغ» المتكتضة بأمة لا إله إلا الله، قررنا نمشي زرافات لا وحدانا، لكن الفوج والموج السياحي فرّق ذاك الصف الضعيف لتلك الشلة، وبعثرنا، بعدها ضاعت الصينية العجوز، حينها شعرت كل العيون تتهمني أو تريد أن تقول إني السبب، لأنني أتأخر في التصوير، خاصة أن الليل أظلم، وثمة مطر وحواجز تفتيش وفرق غنائية تصدح في ذلك الميدان الواسع، تفرقنا كل يبحث عنها، وتواعدنا عند نقطة للالتقاء، بالنسبة لي أصابني اليأس ساعتها، فكيف لي أن أَجِد صينية قصيرة وعجوزاً في هذا الجمع، وهي منذ البداية بصراحة مشروع ضياع، فالاندهاش منذ خرجنا من الفندق لم يفارقها، وبصراحة ثانية اعتمدت على الأميركي «سميث» راعي الفزعات واللزمات، رجعنا والتقينا، وعجوزنا غائبة، ولن تصل للفندق بنفسها، فهداني قلبي، وقلت للشلة: انتظروني عشر دقائق، وقررت أن أبحث عنها من ركبة الرجال فما دون، ولا داعٍ للنظر للأعلى، ومضيعة الوقت، لأن الجثث الألمانية متراً وخمسة وثمانين واطلع، ثم أن واجهات المحلات يمكن أن تكون شبكة مصيدة لعجوز بالكاد تمشي، والله ولا لكم عليّ يمين، رجعت فرحاً، وهي تتأبط ذراعي، ولا تريد الفكاك، وسط تصفيق الشلة، من ذلك الحين ستتغير نظرتهم لي، وسأحظى ببعض الاحترام غير الضروري.
لم تمر ساعة فرحين بالتمام الشمل، حتى توقف الأميركي يراقب حركة «الغلوكوز»، وتناول «سجق» ألماني كبر رجل دجاجة خَيْبَر، قال: ليعدل نسبة السكر في الدم! فغاب، الصينيتان بصراحة غالبية الشلة أرادت التخلص منهما مبكراً، فتركتا وسط الضياع، المرأة القيادية ما لها إلا «سميث»، ولا أحد يصبر عليها، وعلى ادعائها الكاذب إلا هو، ف «عكطناها في حجاله»، الإيرلندي حسمها مبكراً، فعند أول حانة، قال لنا: ستجدوني هنا، ولو بعد ساعتين! بقي المكسيكي الرقيق والخجول، وهذا لا يخاف عليه، خريطته في يده، والكندي المحترم وزوجته الجميلة ذهبا خلسة لعشاء رومانسي، ثم أنا والياباني المصور، رجلان يحبان التصوير، وفي السفر يصبحان مثل «الجني والعطبة»، ومصيرهما الفراق لأن إيقاعهما ليس بواحد، هذا يتقدم، والآخر يتأخر، ولا واحد ينتظر الثاني، وهكذا تفرقت شلة الضياع، ولَم يلتقوا بعدها إلا على فطور الصباح في الفندق، والكل يحكي ضياعه الليلي، وما كابد في المواصلات والشوارع المتكتضة، ضحكت في خاطري، ولَم أخبر أحداً، فقد كانت أجرة سائق التاكسي الذي أوصلني للفندق خمسة وعشرين يورو فقط، و«كفيت العبوله»!


