المتطرف دوماً سواء في أقصى اليمين أو أقصى اليسار هو متعلق بقشة عن السقوط نحو الهاوية أو هو على شفا جرف هاو، لا يدري متى يكون السقوط أو الصدمة، ليس مثل الاعتدال طريقاً معبداً نحو الوصول للغايات من دون أن يراق على جوانبه الدم، والاعتدال يتطلب عقلاً وفكراً وحكمة واختياراً بمسؤولية، ووضوحاً في الرؤية، في حين المتطرف أحادي الرؤية، ولا يريد أن يرى الأبعاد في الأمور سواء في البعد أو العمق، المعتدل ثابت وإن تبدل، والمتطرف متقلب وإن ثبت.
المتطرف في أقصى اليسار حين يقرر أن يرتد أو يتوب أو يغير مجرى حياته ينتقل من التطرف إلى التطرف الآخر، فيهرب إلى أقصى اليمين، وهو في الحالتين لم يغير من حاله أو أصلح نفسه، بل تبادل المواقع مع نفسه، فترى التائب والتائبات من المغردين والفاشينيستات والفنانين والفنانات حين يقول أحدهم إن الله هداه يعلنها على الملأ، ويظل متعمماً بسجادة، وبعض المرائين منهم يفضل أن تكون له علامة فارقة جسمانية دليل التقوى والورع، وذر الرماد في عيون الآخرين، قد يكون لباساً مختلفاً أو هيئة جديدة أو علامة جسدية، ويفضل أيضاً أن يردف مع اسمه مثلاً؛ الفنانة المعتمرة الحاجة أو الأستاذ الدكتور الحاج أو يكحلها ويعميها فيغير اسمه الفني من «نبيل شريف» إلى «أبي قتادة» أو شيء من هذا القبيل، وفي المقابل حين يرتد أحدهم عن دين الآباء والأجداد، ويترك عنه تلك المغامرات المجنونة في كهوف «تورا بورا»، والاعتكاف بعيداً عن أهل بيته ومسؤولياته وعمله ثلاثة أشهر، لا هي عمرة ولا حج في مناطق بعيدة، وشبه بدائية أو كما يحلو لهم أن يسموها الهجرة، ولكنه حين يرى من كان يعتبرهم أسوته في الجهاد يبيعون الحشيش والأفيون، ومتمرسين في القتل، وقدوته في الاعتكاف المكذوب ليسوا طاهرين أبداً، فيرجع من تطرفه الأقصى إلى تطرف جديد في أقصى الجهة المعاكسة، وبعدها تعال واسمع وشاهد بأم عينك المزايدات، والمغالاة، وإيتاء الأفعال المشينة التي لا تجد لها تفسيراً غير نكاية في نفسه وإذلالها، لأنها في يوم خدعته، وجعلته يضيع حياته بلا هدف.
هل المتطرفون يكذبون؟ بالتأكيد، لأن الكذب اخترع لهم ومن أجلهم، فهم يلوون عنق الحقيقة، ويجيّرون كل الأمور لصالحهم، وصالح توجهاتهم، بل ويعدون أن الكذب وسيلة طريقهم لتحقيق الغاية، وهم حين يقدمون على عمل إنما يجاهرون به، ويحبون أن يروا أثر الدهشة والأسئلة على وجوه الناس، فالذي يؤذن في الطائرة، ووسط دهشة الركاب، لا يؤذن لإقامة صلاة، والذي يفترش الممر ليقيم صلاة الجماعة في الطائرة، وإرباك المسافرين، ليس هذا تقرباً لله، وإن كانوا هم يعتقدون أنهم يصنعون حسناً.


