مضى زمنٌ كانت الرازقية فيه ترشُّ الأفقْ. الرمال الأليفةُ تناوئ الصهدَ وتغري الخطى وتتألق وتبعث ببروقها وسيولها إلى الأحلام! الينابيع كانت تكاتبني. والبحرُ يمهّدُ ويستحث القواقع، أجنحة النوارسِ أعلى من الأمنياتِ وأشدُّ خفقاً من الحنين. النخلُ الفتي يتطاول إلى العذوق، والجذور تشرب الملوحةَ وتمنحك العسل!
تضاريسك لغاتٌ تلغط في فرحٍ ناضجٍ وأبناؤك يشعون بولهٍ وأنت تلمسين الأفق الذي يدور ويمسّدُ الغفوةَ!
وأنتِ! أيهٍ أنتِ يا شواطئ السكّرِ المحروقِ بصهد الملوحةِ وسيول الشمس ذوبي في عسل الأطفال وانتشري في أجسادهمْ تذكري أولادك المعطرين بالرياحين وترفِ الورد وبذخ الفل. كأنهم اللؤلؤ الذي ينتظر في أصدافِ الأشواق. ويبتهلون للضياء أن يرخي لهم «الديين» ينتشرن في حبائلهِ وينقذون السفائنِ في أرحام المحيطات!
وسادة ُالغيمِ يا وسادة الغيمِ، هلمّي رأسي يتيمٌ ونثار. وحدي انتقيتُ منابع الأنهار وتسرَّبتُ زمناً، زمناً إلى العثراتِ وتقودني نحو كشفٍ وتستدعي الألق المتناثر نحو بيتي. وسأعتلي الأحلامَ وأغادر الانين المستبد. أشواقي، لها مناقير حمامٍ وألفة. أي ماء لا يصبُّ في تكويني. أي هواءٍ لا يسيجُ أزهاري. أي وترٍ لا يمتزجُ بلغط ِأطفالي. أيُّ كائنٍ لا يمرُّ بصمتي. أيُّ وهجٍ لا يعبر الجسد! مضى زمن كان يزنّرني في اللحظات المقفلةِ بنوافذ يستريح عليها رهجُ ياسمينةٍ وحنين بلابلْ. تهندسُ الرازقيةُ حرّاسها بسحرٍ هائمٍ وبياضٍ باذخ، وتنشرهم على الباب الذي استودعته الهدوء ورهبة الفجاءة. وأنا أعرف أن الفجرٍ دوماً يشي بحضور مباغت. فالفجر لا يملك أن يكون غير فجرٍ آسرٍ كما عوّدنا منذ طفولةٍ اكتنزت بلهوها وفضاءاتها. وأحياناً يصير الفجر حالكاً وسردابياً كأن لم يخلص من أسارِ الليل وعتمتهِ.
الرازقية كانت تهندسُ حراسَها على الباب الذي يهندس القلق ويوزع التيّقظ عل صرير السكون ومفاصل الريح!
أسراب النمل تصخب في سوادها وتلوّثُ الصباحات بسمومها كأنها القوافل. وكنت كأني طينة تسوخُ في قاعها الصبوات والملوحة تنثر فحولتها في الفصول. وصيادو الأسماك كأنهم صهيلُ ينسجون أذرعَ النخيل ويهندسون انزلاق الشواطئ. والأسماكُ في صخبها المألوفِ تأتي مخبولةً بشهوة الطعم ومتاهات الموائد تأتي وتسقط أرتالاً يتيمة وغريبةً بلا نبض يشفُّ، وحرير الشباك طراوة ومطاردة تصير إلى النهاياتٍ حيث كل نهايةٍ بدءُ وكلُ خاتمةٍ نهوضْ!