في بداية التحاقي بالعمل الصحفي، وأنا في الطريق إلى العاصمة الجميلة كنت أضع نصب عيني هذا الشاهق المتألق سموقاً، هذا الناهل من نجمة السماء بريقاً، هذا الباسق شجرة عملاقة تشرف على دأب وحدب دبي المتسربة في الوجود جدول نماء ونهر سخاء، كنت أرقب سر هذا الشاهد على عبقرية الصعود إلى أفق التقدم، والمشي على رمش الغيمة السارد حكاية الولوج في ثنيات الحياة بفرح الولادة لنهضة الأيقونة دبي المتدفقة جمالاً، دبي الرواية والحلم، وقصيدة القوافي المسكوبة من ذهب الرصانة وسحب الغواية اللذيذة، كنت أشعر وأنا أمر عبر هذا البرج هذا النهج هذا السرج هذا الوصل، والفاصلة ما بين جملة السماء وعبارة الأرض وأبجدية التواصل ما بين نجمة البريق ونعمة البلاغة النهضوية برج يمد للمدى شراع السفر الطويل باتجاه العالم، ومرساة الوصول إلى أعالي البحار وشامخات الموج بين محيطات وأوطان، كنت أطالع القمة العالية، وفي عيني تلمع قطرات الندى في الصباح الباكر وأنا في رحلة الأسابيع، من وإلى إمارتي رأس الخيمة وأبوظبي، وما بينهما دبي الوريد الذي يمسك بتلابيب القلب، ويمنح الحياة من أشواق التأمل، ما يجعلها أنيقة كما هي القمة العالية لبرج راشد.
كان البرج في نظري مثل اللغة تلهمني فيض الاندماج في الأبجدية، كما تندمج الكلمات في محيط المعاني الرهيبة كما تنثر الوردة عبيرها في ضمير الفراشات، كما تنسج الطيور نشيدها من بوح الموجة وحفيف الأوراق، وهي ترتب مشاعرها، احتفاء بالربيع، كنت أشعر وأنا أعبر محيط البرج في الطريق إلى العاصمة الفيحاء بأن العالم يبدأ من هنا، من هذا الخفاق وهو يتسلق أدراج السماء متماهياً، وشعشعة القمر ذائباً في أتون الأرض كأنه البوح في حناجر الشعراء، كأنه الصدح في ألحان قيثارة بدوي علم أن للفن سحره، وأن لبلاغة المشاعر ترياقها وحرزها المنعم بفكرة النابغين، والذين يملكون فكرة الوجود، كما تمسك النجمة بوميضها، كما تلج الموجة شفة السواحل، كما تعانق الأجنحة شغاف الفضاء.
اليوم وأنا أسير عبر شارع الشيخ زايد، وأرفع البصر عالياً، وأنظر إلى البرج أبحث عنه بين الشامخات العوالي يشدني الحنين إلى زمن تولى وترك في الرأس صورة خلابة وذات جاذبية أشعر بأن دبي ليست وطناً فحسب، بل هي موطن لاستنبات الجمال، واستيلاد البراعة ومهارة النبوغ وجذل الطير المحلق في الوجوه، وكأنه يقول للزائر والمقيم وقبلهما المواطن إن الحياة شجرة نحن الذين نضع الثمرات على أغصانها، نحن الذين نمسك بالفرشاة لنلون شفتيها بعذب الرضاب وسحر لغة الكتاب، أشعر وأنا أعبر أفواج العابرات السابحات الذاهبات في عمق المحيط بأن دبي خلقت لتكون طائراً بثلاثة أجنحة، فهي المركب، وهي المنكب، وهي الموكب وللثلاثة مهمة الوصول إلى مجد ووجد وجد، هي دبي التي جعلت من برج راشد العلامة على الطموحات الكبرى، والشامة التي تميز الخد، والوجنة والكلمة التي أنطقت الكائنات طاعة انبهار العقل بما أبدع العقل وما برع فيه من منجزات مدهشة ومشاريع جللت دبي باستثنائية وفرادة، كما هي قصيدة الفارس، كما هي فرس الشاعر.
برج راشد الحلم الذي لامس الواقع بأنامل الحرير.