كان رجلاً مرحاً، ضحوكاً، ومحبوباً من الجميع، و«هابّ ريح» معاوناً ومساعداً، يمكن أن يتعنى لأمر بسيط سأله أحد أن يلبيه له، فلا يتوانى أن يذهب من العين إلى مزْيَدّ، ولو كان حافياً، أو يمكن أن يساعد في زفّان دعن في المعترض، في الصيف، حيث تكثر أعمال النخيل، تجده كل يوم في نخل يخرف ويجد، يعين ويعاون، ودون أجر، لذا كانت كل البيوت مفتوحة له حتى عرف الناس عنه بالصدفة أن عينه حارّة، لم يصدقوا في البداية، حيث لا يجتمع المرح مع الحسد في منطقة مشتركة، أو يمكن أن يتفقا عليها، فلكل منهما مساحته المختلفة، فالمرح لا يعيش إلا في منطقة خضراء معشبة، والحسد يترعرع في اليباب والأرض الملحاء.
 مع بداية ظهور ذلك الأمر، لم يصدق الناس، وحتى هو نفسه لم يدرك ذلك، هي موهبة تفتقت فجأة بعد ما شبّ وأصبح في حكم الرجال، وبعد ما شوهد من تلك الظواهر للعيان، وحديث الناس المتوالي والمكرر رسخ تلك القناعة في نفسه، حتى بدأ يخاف من نفسه على نفسه.
أصبح حين يمر بسكة من سكيك الحارة، يهرب الأطفال منه، وإنْ صادف امرأة آتية مروّية من الفلج أو حاشّة حشيشاً لدبشها من النخل، تظل تتعوذ من إبليس وتتحوط بالمعوذات، وإن طرق بيت أحد، قامت الأم وخَمّت عيالها وأدخلتهم في غرفة لكي لا يسمع لهم حساً، في بادئ الأمر كان يضحك في داخله أو يبتسم أو يعلق ساخراً: «ترى عيني حارّة بس على اللي أبّا، واللي ما يخاف الله في الناس».
صارت القصص عنه وعن عينه التي تقدح شرراً تزداد وتتنوع كل يوم، والناس تضخم الروايات، وتصفي الكثير على المرويات، مرة خطف على بيدار راقياً نخلة عوّانة ما تنرقى من طولها بحابول، ولا أحد يدري ماذا قال «بن رعيّف» عنه، وعن مهارته، ومتانة الحابول المصنوع من الحبال المجلودة، هي لحظات وانقص ذاك الحابول، وحتّ ذاك البيدار من فوق تلك العوّانة. ومرة ظلت العجوز «عوشة» تتواحاه، وتدعي عليه، لأنها وجدت بقرتها المتعافية أم الحليب والسمن عنثر الصبح وارمة مثل الهبّان.
ومرة خطفت عليه سيارة مسرعة، وغبّرت عليه، وكانت جديدة ووحيدة، وصنع «ولايتي» ما يعَوّل، فعقطها بواحدة من عينه الحارة، قائلاً: «أنبوه.. تقول مشخاط ملّبَك»، وما واحا له يكمل كلامه، وإذا بالسيارة باركة في مكانها.
ولما انتشر عنه الحديث، وعن ما تصيب عينه، وبعد حادثة السيارة، أُرسل إلى داس يشتغل بعيداً عن العين وأهلها الذين قالوا: «برأيه بعيد هناك، داس فيها إنجليز وغربتّية ما ترثّ فيهم العين».
 ظل فترة طويلة يشتغل في جزيرة داس، وانقطعت أخباره، وأخبار تلك القصص الغرائبية التي تقال عن عين «بن رعيّف» الحارة، حتى في يوم علم الحاكم أن واحداً من الرقوق انكسر وغطس في الأرض، فضحك وقال: «هزري» بن رعيّف «اشتاق للعين، ولحلو مائها، وطيب رطبها».
رجع «بن رعيّف» بطريقته القديمة مازحاً، وموداً، فمثله يعرف كيف يدخل للقلوب وتسامحه، لكن الناس ظلت تهدده أن طاح بيدار من نخلة أو تعطلت سيارة أو انتفخت بقرة، تراهم بيشتكونه، وبمَيّلون عيونه.