عندما يترجّل الصديق وتجمع أوراقه، ويطوي الوقت ما تبقى من ذكريات جميلة، لا شك أن هناك وجعاً في القلب يخرج كالمسمار، ينكش كل شيء عرفته وخبرته من ذلك الزمن، وتلك الأيام التي جمعتك معه، دائماً تمضي الحياة ولا تظل غير الذكرى العطرة، وحدها نواقيس تطرق ما تبقى من خطوات وأفكار ورؤيا ورؤى، في مختلف شؤون الحياة، وهدف الكتابة، لشيء ربما يظل باقياً وثابتاً في مسيرة هذه الحياة.
محمد عبدالعزيز الباهلي، كاتب إماراتي، جاء من أعماق المجتمع لينير بقلمه دروب الكتابة الملتزمة الصادقة، قدم الكثير من المقالات الجميلة، ذات الطابع الإنساني والاجتماعي والفكري، قدمته جريدة الاتحاد واحداً من كتاب الرأي سنوات طويلة، تركت له مساحته ليبحر إلى عالم الكتابة، ويقدم رأياً محلي الطابع، وساهم بما استطاع أن يسطر من أفكار قيّمة، ووجهات نظر لافتة، وفي الشأن الاجتماعي كان مجداً ومخلصاً لقلمه ومؤمناً بأن الإمارات لديها أقلام، يمكن أن تسهم في المجالات التي تفيد المجتمع. غاب عن الكتابة مدة طويلة، واعتقدنا أنها استراحة محارب، ولكن للأسف اعتلت صحته، ثم ترجّل في نهاية الأمر وترك كل شيء، لقد ترك لنا أسطراً منيرة وكتابات في الشأن الاجتماعي والفكري والثقافي، وغيرها الكثير من المقالات التي سوف تبقى خالدة، والمفردات التي سنتذكر بها هذا الصديق الوفي، الذي ودّع الحياة وهو مازال شاباً معطاء، له العديد من المؤلفات المهمة، والإصدارات الملهمة، قدم فيها عصارة فكرة وثقافته وآماله وأحلامه الزاهية، كان رجلاً صلباً في مواقفة والدفاع عن وجهات نظره، يقدم ما عنده بقوة وصدق، ولا يلتفت إلى الآراء التي قد لا توافق طرحه، ومن أهم الكتب التي أصدرها هذا الصديق العزيز، رحمة الله عليه، كتاب «خنجر إيران»، قراءة تحليلية شاملة تؤكد خطورة الفكر والأهداف التي جاءت مع هذا التوجه الإيراني، والأبعاد التي تسعى إليها، وكل ما يحدث الآن في الخليج العربي والمشاكل التي تواجهها المنطقة، قد تنبّأ بها من خلال مؤلفه، وأيضاً كان همه كبيراً على مستقبل اللغة العربية والوضع في العالم العربي؛ ولذلك أصدر كتاب «اللغة العربية والأمن القومي»، وأكمل سيره واهتمامه بالواقع العربي، وحلم بأن يتطور هذا العالم ليلحق بالإنجازات الحضارية في الدول المتقدمة، وقدم كتابه «مفاتيح الحضارة».
واليوم يرحل الباهلي ويغيب عن صحيفته الاتحاد، وتظل مقالاته خالدة في وجداننا، اليوم نحنُ نوّدع قلماً اعتدنا لمساته المرهفة والصادقة والنبيلة، نوّدع فكراً كان يلامس شغاف قلوبنا بشفافية المعنى وعفوية الكلمة، نعم أننا خسرنا قلماً جميلاً، كان يمكن أن يكبر ويتطور إلى أعلى المستويات التي تضفي إلينا وإلى أفكارنا، ولكن هكذا هي الحياة.