يقول الفيلسوف، وعالم الدين والفقيه ابن رشد، إن الأديان كلها صحيحة إذا عمل الإنسان بفضائلها، وهذا بعض من فيض هذا الفيلسوف الذي تعامل مع الدين الإسلامي كقاسم مشترك يلبّي حاجة النفس البشرية إلى الطمأنينة قبل كل شيء، دين له سمات العالمية لمن يفهمه، ومن يطبّقه كما جاء على لسان نبيّنا الأمين، محمد رسول الله، فالإسلام ليس دين عنصرية، ولا طائفية، ولا حزبية، ولا فئوية، ولا أقلية تدّعي المظلومية، ولا كتلية تحزّمت برباط الكراهية كوسيلة للرفض والتعنت والتزمت والانتماءات ذات الأنياب المسمومة، والمخالب الملوثة بغبار الأنا المتورّمة، وسعار النفس المرتجفة.
الدِّين هو دين لي ولك، ولا أحد يمسك بملكية دين ويقول هذا لي، وذاك لك، لأنه دين نزل من السماء لأهل الأرض ولم يكن في يوم مبصوماً بهوية، ولا شريعة خاصة بأمة دون الأمم، فشريعة الإسلام هي شريعة إنسانية، هويتها الإنسان أينما كان، أينما حل وارتحل، الإسلام هو دعوة للسلام، هو نداء سماوي يقول للعالم أجمعين: اتّحدوا على كلمة سواء، تضامنوا مع المخدوعين لكي يتحرروا من الضعف، وهوان الاستغلال للضعف أو الفقر، أو أشياء أُخر، قد تكون من أهم فواحش الضمير الخاوي من الضمير، القلب المنتهية صلاحيته.
دور جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية تجاوز حدوده الأكاديمية الرسمية البحتة، هذا الدور يطلع اليوم إلى المدى الأوسع، السماء الأرفع، إيماناً من القائمين على هذه الجامعة بأن للجامعات الأكاديمية دوراً ريادياً في بناء جسور التواصل مع الآخر، لأننا لا يمكننا العمل منفصلين عن الآخر، وإسلامنا دين التواصل والتضامن والتعاون والتكامل والانسجام مع الآخر، لأن ديننا يدعو إلى ذلك، وحثّنا على التعاون، حيث يقول القرآن الكريم «وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ وَالْعُدْوَانِ» (من سورة المائدة، الآية ٢)، وهذا دستور سماوي، هذا قانون طبيعي تفرضه الفطرة البشرية، ولا يمكن للحياة أن تنفصل عن طبيعتها، ولا عن فطرتها، إلا كانت الشمس، لتقول - سوف أغيّر مساري اليوم، لأني لا أرغب بالسير كالمعتاد - غيرها من الكواكب والنجوم والأقمار والبحر والبر. جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية في إيطاليا، كان هذا بحثها، وهذا ديدنها، وهذا نشيدها، وهذا سبرها، وهذا فصلها ونصلها، ومن يتطلع إلى حياة نقية كنقاء عين الطير، عليه واجب ديني وأخلاقي، يفرضه عليه دينه، وحبه لوطنه، بأن يقف سداً منيعاً، ضد التشرذم الديني، وضد التطلعات العمياء التي تأخذ الشعوب إلى المهالك، وأمامنا أمثلة تُدمي القلوب، وتأسر العقول، لما جلبته تلك التحزّبات من ويلات، ومن خيبات، ومن خسارات، ومن نكبات، ومن انهيارات أخلاقية ما أنزل الله بها من سلطان، ولكن المخدرون لا يزالون ينعقون، ويشيعون المآسي، ويجلبون الرماد على وجوه الشعوب والمغلوبين على أمرهم.
جامعة محمد بن زايد، تتصدى اليوم لأهم قضية إنسانية ودينية عقائدية، شغلت العالم ولم تزل تحرك المياه من تحت الأقدام، ولذلك فالوقوف في وجه العاصفة، ليس دوماً وقوفاً في المكان الخطأ، فبعض العواصف، توقفها صرامة الجبال، وتجعلها تحيد، ولا تبيد.


