لا تذبل أغصان الأوطان طالما هناك الحب يسقي جذورها بود وسد وتضحيات لا يتوقف نبضها، ولا يتعرقل حضّها. فالوطن شجرة، نحن الذين نضع الثمرات على أغصانها، نحن مَن نلون أوراقها بالأخضر، ونحن الذين نمنح عصافيرها الشدو الجميل، والعبق الأصيل. اليوم والإمارات تملّكت شغاف النجوم، والشمس والقمر، تبدو في العالمين سماءً بلون قلوب العشاق، وتبدو بحراً برائحة الخضاب الجميل. اليوم الإمارات، وهي تمضي إلى المدى، تحملها كفوف من أحبّوا الحياة، فأحبهم رب الحياة، اليوم هذه الشعلة، هذه الجملة الجغرافية المفيدة، هذه المقلة والقبلة، هذه السدرة في ظلالها وجمالها وخصالها ووصالها ومآلها وموالها، تفتح نافذة الهوى على قصيدة في أبياتها أنفاس شعب أحبّه الله، فحبّب فيه الوطن، وصار الطير يشدو نشوان بأغنيات تحمل في طيّاتها حلم الوطن عناقيد، أسدلت خصلات على كتوف الزمان، حتى صار الزمان صفحات تكتب على سطورها روايات وطن خرج من الصحراء بيد بيضاء من غير سوء.
وطن بدا اليوم في عيون العالم واحة وباحة، وأرضاً على ترابها تحطُّ طيور، وعندما يحين موعد المغادرة، تقول لا.. لا هنا أحسن. تبدأ في بناء الأعشاش بيوتاً للسكينة، ونقاء الموئل، وصفاء المنزل. هنا في الإمارات، يحلو المكان بأهله، وتزدان نجومه من بريق عيون حباها الله بحسن تصويره وبلاغة تدبيره ونبوغ معطى العاشقين، ومسعى الذاهبين إلى الحياة بعيون رموشها أقلام تكتب على صفحات التاريخ معنى الوطن عندما يحبه أبناؤه، وعظمة الوطن عندما تحمله الرموش لمعة، تعكس بريق المُقَل، وما جاش في الأعماق من جذل، وعدل.
وطن سماته تعانق الأشجان، كما هي الأغصان تواصل خيوط الحلم بين حدق ونسق. الباقيات الصالحات من معطيات القلب، وما جرى في تاريخ العقل من بذل وجهد وعطاء بسخاء، فلا منّة لمن يعطي الوطن، ولا عذر لمن يقصر اليدين، لأن الوطن ليس أرضاً وبحراً فحسب، الوطن كل ذلك وأكثر. وفي الأصل كان الوطن سماء، الإنسان الذي جعلها كوكباً تدور حول أفلاكها عيون البشر، وتدور وتدور، واليوم أصبح الوطن أعمق من التاريخ في جذوره، وأوسع من الوجود في أصله وفصله، فقط لأنه وطن، وفقط لأنه الإمارات، وهذا هو السر في كلمة حب، فعندما تعلو قامته، يصبح الوطن مكاناً لنهضة الأشواق في قلوب العشاق، ويصبح العشق بحراً أمواجه صوت رجل من ذلك الزمان، جاء فجأة لهذا الزمن فصرخ، وقال هلمّوا فإن الحب عندما تعشب أرضه يكون حقلاً، ليتضاعف عدد العصافير. لهذه الكائنات، علاقة وطيدة مع الأحلام لأنّ لكليهما أجنحة، وكلٌّ يحلّق في السماء، وكلٌّ لريشته معنى السمو والفخر، والاعتداد بالوطن، ولا شيء غير الوطن.