ليس أجمل من أن ينظر المجتمع إلى سنوات العمر بوصفها رصيداً من الحكمة والخبرة، لا مرحلة تنحسر فيها الأدوار أو تتراجع فيها المشاركة. ومن هذه الرؤية الإنسانية والوطنية تنطلق عناية الإمارات بكبار المواطنين، باعتبارهم بركة الدار، وذاكرة الأسرة، وأحد أهم جسورها الممتدة بين الماضي والحاضر والمستقبل.
ومع ختام الملتقى التاسع لكبار المواطنين، الذي نظمته مؤسسة التنمية الأسرية تحت شعار «رحلة جودة حياة كبارنا»، جاءت كلمات سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، رئيسة الاتحاد النسائي العام، رئيسة المجلس الأعلى للأمومة والطفولة، الرئيس الأعلى لمؤسسة التنمية الأسرية «أم الإمارات»، لتضع المعنى في مكانه الصحيح: التقدم في العمر يجب أن يفتح مساحات جديدة للحياة والمشاركة، وأن يمنح خبرات كبار المواطنين حضوراً أكبر وتأثيراً أعمق. رؤية تختصر فلسفة متكاملة في التعامل مع كبار المواطنين، فالعناية بهم ليست خدمة اجتماعية فحسب، والرعاية ليست تلبية لاحتياجات يومية فقط، وإنما اعتراف بقيمة الإنسان في كل مراحل عمره، وتقدير لعطاء الذين أسهموا في بناء الوطن وصناعة تجربته.
استحضر تصريح سموها نهج الوالد المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، في الوفاء لمن أفنوا أعمارهم في خدمة وطنهم. إنه وفاء لا يرتبط بالماضي وحده، بل يتحول إلى ممارسة حاضرة، وإلى مسؤولية تتجدد مع كل جيل.
وقد أكدت سموها أن صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، يواصل هذا النهج في ترسيخ مكانة الإنسان وصون كرامته، واضعاً كبار المواطنين في مقدمة من يستحقون الرعاية والتقدير، ولذلك كانت المبادرات والسياسيات تتمحور في هذا الاطار لأجل إسعادهم وتحقيق جودة الحياة لهم، وكانت واحدة من أهم المحاور التي ركز عليها الملتقى. الرعاية الحقيقية تتجاوز توفير الخدمات إلى إبقاء كبار المواطنين في قلب الحياة الأسرية. فحين يجلس الجد مع أبنائه وأحفاده، ويشاركهم الحديث والقرار والتجربة، لا تنتقل المعرفة فحسب، بل تنتقل معها قيم الانتماء والمسؤولية والعطاء. وحين تبقى خبراته حاضرة في تفاصيل الأسرة، يصبح الماضي جسراً للمستقبل، وتغدو الذاكرة الوطنية حية في وجدان الأبناء.
ومن هنا تأتي أهمية ملتقى كبار المواطنين، بما يوفره من مساحة للمعرفة والتفاعل والخدمات الصحية والاجتماعية والثقافية والتقنية والترفيهية، وبما يعزز استقلالية كبار المواطنين وقدرتهم على اختيار نمط الحياة الذي يلبي تطلعاتهم.
جودة حياة كبار المواطنين نهج إماراتي مستدام. وفي وطن يعرف قدر أبنائه، تظل رعاية الكبار وفاءً، ومشاركتهم قيمة، وحضورهم في الأسرة والمجتمع بركة لا غنى عنها.


