الخوف، ذلك الموسوعة الثقافية التي تشكّلت عبر ملايين السنين، مبتعثة من قبل وجدان حط من عل، ونزل عند مضارب مشاعر. 
كل ذلك يحدث، ولكن الإنسان، هذا المخلوق، ولد ورأى ما يرى النائم في الكوابيس، رأى الرياح العاتية، والسيول الجارفة، والأمطار التي تخترق السقوف، وتجعل الأقدام تسبح كالبط في بحار ووديان، هذا الإنسان، فكر وتدبر وخبر وسبر. تعلم كيف ينحدر، ولا يعلو على قائمة المخيفات، المرعبات، الشائعات في وجدانه.
صار يكمن في جوف المخيلة، وينتزع منها ما يمنحه العيش على أقل تقدير، ويسكب على نيران خوفه، ماء بحجم غطاء زجاجة الكولا، ويقول لنفسه ها قد زال الخوف، ولكنه يكبر. 
يكبر معه خوفه، لأنه فقط ضعيف أمام عظمة الكون، أمام الظاهرة التي تنتزع القلب من بين الضلوع، تخلع الروح من الجسد، واليوم، وبعد حضارات ماتت، وأخرى نشأت، وما بينهما حضارات تركت في الطريق إلى الحياة ما يشبه الظلال على صفيح صدئ.
هكذا يستمر الخوف، لأن ساقه في العقل، وجذره في الأرض. 
الباطن ليس إلا شيطاناً أخرس، يسن حد السكين، كلما قال الإنسان ها قد زال الخوف، والتقنيات هي الحل، وتستمر المحاولة، وتفشل، وينحط الإنسان، يقع في سكة تدوي فيها صيحات الخرافة، وتهدر أمواج العقل الباطن، هذا الكائن العبقري الغبي، هذا المخلوق الفذ المراوغ.
 وفي نهاية المطاف، يقول الإنسان: أنا ومن بعدي الطوفان، وهنا تكون المعضلة الكبرى، هنا تصرخ الذات من الذوات، وتقول ذاك خطأ، هذا صحيح، مشيرة بالبنان إلى القلب، الساكن بين جريد الصدر، بين سعفة وأخرى يكمن الحب، ويكمن الكره، وأي منهما ينتصر؟.
 إنه لا ينتصر إلا من أصبحت مياهه عذبة كالشهد، أقماره لا تطفئها غبار أكاذيب، وحيل دفاعية، ومهاترات، وهراء يتبعه هراء. 
الخوف الإمبراطور الظالم الذي يهزم أقوى قوة في الكون، لأنه ابن أبيه الكذب، كلاهما من الآخر، وكلاهما جاء من منطق اللاعقل، وكلاهما صدّقا أرسطو، وكذّبا ابن خلدون، وصدق ابن خلدون وكذب أرسطو، لأن المنطق الحقيقي، هو منطق المحتوى، وليس سواه كما عند الفيلسوف العظيم، والمعلم الأول (أرسطو) فشكراً له على جهده، ولا شكر له لأنه كذب. 
وها نحن نحفظ أرسطو، كما نضع ابن خلدون بين الرموش، لأنه أمسك قلب الخوف، عصره، ثم رماه جيفة، وقال للعالمين: في المنطق محتوى، ولا شيء غير المحتوى، ومدّنا بأمثلة تتجاوز حدود الشمس والقمر، وقال لنا اقرأوا، وفي القراءة أشياء تخلب المنطق، وتمنحه البياض، تمنحه ممحاة بحجم الوجود، تزيل عن كاهلنا الخوف، وتقول العالم هنا، العالم في القلب، فإن أحببت فلن تكره، وإن لم تكره فلن تخاف، وإن لم تخف فلن تكذب، هي حقيقة الأنا، وهذا هو منطق ابن خلدون.