كم كنت دؤوباً على قراءتها ومازال الحنين يجرني إليها.. مجلة ناشونال جيوغرافيك، لما لها من عالم ممتع، كنت أستأنف سلسلة قراءتها ببدء كل شهر يولد من جديد، تشرق بالأفق فضاء لها يختلف عن سابقه، أصفف أعدادها في زاوية من مكتبة صغيرة، تكمن في حيز، أستعيد ما شئت منها، إذا لم أكمل قراءتها، فلها بيانات وفصول وقصص توحي بجمالية ورؤى متجددة وتحدي الطبيعة، وترحال مثير لذوي التجارب والمغامرات، في زمن لا يحمل المتحدي سوى آلة التصوير وقليل من الزاد، ولربما معه رفيق يصحبه.
أو قوافل بشرية، تتبع الطبيعة وتكتشفها وتستعيد شيئاً من جوهرها، وتؤثر على أصوات طيورها، وتغرم فيها إلى حد بعيد، رغم ارتحالهم المحتدم الصعب يناكفون بحياتهم الحياة في طبيعتها، يثبون على جبالها وأدغالها، ويسيرون على أثر أنهارها.
فما أن أنهيت دراستي بأميركا، بنهاية الثمانينات، وبدا أمر الرحيل من ولاية واشنطن، وأنا أفكر بعدم التخلي عن اشتراكي بالمجلة، إن لها شغفاً في النفس، فكيف أحيل اشتراكي إلى عنواني بأبوظبي؟ ففي آخر المجلة عادة قصاصة، لمن يرغب في تغيير العنوان، دون شروط مستوفاة، ولا تكلفة ظاهرة، فسعيت لإملائها بطلب تغيير العنوان من ولاية واشنطن إلى مدينة أبوظبي.
إلا أنني دهشت برد المجلة، كان رداً جميلاً، مازلت أتذكر فحوى تلك الرسالة، جاء مضمونها في الترحيب، ومدى سعادتهم بأن تصل مجلتهم بالاشتراك نفسه إلى دولتكم، التي نتوق نحو اكتشافها، وعالمكم ومحيطكم البعيد عنا كل البعد، فكلنا حرص على التواصل.. وانتهت رسالتهم التي بقيت في ذاكرتي، دون التطرق إلى تبعات مادية، ولم تتوقف أعداد المجلة حتى انتهاء اشتراكي حول عام.
هذه القصة حدثت قبل سنوات طوال من افتتاح قنواتها المتلفزة بأبوظبي، فكم كانت ذكريات تشعر المرء بالغبطة، باسترسال ذكريات الممتعة مع ثقافة العالم ومجتمع أميركي كان مختلفاً في تعامله، كان يبهر الزائر، ويتمثل بالشفافية الإنسانية لمعرفة العالم بعيد الصلات المجتمعية، كان هناك اغتراب حقيقي بين طبيعتين مختلفتين في زمن غياب تقنية التواصل التي نعيشها.
كانت مجلة لا تغيب عن الذاكرة، لما لها من ثقافة بالطبيعة، وتجلت فيما بعد وأصبحت الآن برمشة جفن ترى الصورة المتلفزة، ذات أبعادها الجوهرية والشاملة، وهي تقترب من ذاكرة القراءة، وإلحاحها على الصلات المتقابلة، بما يفضي إلى سحر الماضي، وجمالية الحاضر.
 مازلت أتوق إلى فطرة إنسانية أولى، أن تقرأ من الورق، وتلامس الصفحات وغلافها الأصفر المعنون بصور الطبيعة، أن تجرك القراءة إلى متعتها وهدوئها، في طور انبثاق الأفكار وعالمها، وبتماهي الوقت، فلكل زمن لمحة من عالم مثير وممتع، وشوق من بيان متأصل في الذات.