كنت في طريقي إلى أحد المطاعم في إحدى مناطق الدولة، وبعد أن أوقفتُ مركبتي في الموقف المخصّص، شدّ انتباهي هدير مرتفع ومزعج لسيارة رياضية تقف غير بعيد. للوهلة الأولى، ظننت أن في المركبة عطلاً فنياً وأن صاحبيها ينتظران ميكانيكياً. بدافع الفضول - وربما القلق - سألت الشابين إنْ كانا بحاجة إلى مساعدة، لأكتشف أن الأمر أبعد ما يكون عن عُطل طارئ.
اتضح أن الشابين يديران مكتباً لتأجير السيارات، وأن أحد الزبائن طلب تشغيل المركبة ليستمع بنفسه إلى صوت المحرك، ويتأكد من أنه «مزوّد» بالصورة التي يفضلها! غادرت المكان وأنا أستغرب كيف تحوّل الضجيج عند البعض إلى «مواصفة» مطلوبة، دون أي اعتبار لما يسبّبه من إزعاج للآخرين أو إساءة للفضاء العام.
هذا المشهد أعاد إلى ذاكرتي ما يتكرر في الأحياء السكنية، حيث يعمد بعض الصبية إلى تبديد سكون الليل وهدوئه بأصوات دراجاتهم النارية «المزوّدة»، وينطلقون بها بسرعات عالية، غير عابئين بوجود مرضى، أو كبار سن، أو أطفال يحتاجون إلى الراحة، فضلاً عما يُشكّله ذلك من خطر حقيقي على سلامة المشاة وممارسي رياضة المشي في تلك المناطق.
لا يمكننا هنا إغفال الجهود الكبيرة التي تبذلها أجهزة الشرطة للحدّ من هذه الممارسات، من خلال حملات ميدانية تمتد إلى المناطق الصناعية لضبط الورش التي تقوم بتزويد المحركات بشكل غير قانوني، وبما يتجاوز المواصفات والاشتراطات المعتمدة. وهي جهود متكاملة تصبُّ في إطار محاصرة التلوثين السمعي والبصري، وتعزيز مفاهيم الحياة الصحية وجودة المعيشة في مختلف مدن ومناطق الدولة.
وفي هذا السياق، تبرز مسؤولية أولياء الأمور، ودورهم المحوري في التعاون مع رجال الشرطة لإنجاح هذه الحملات، عبر منع الأبناء من العبث بمحركات سياراتهم أو دراجاتهم النارية، وعدم تحويلها إلى مصدر إزعاج للجيران وأهالي «الفريج»، أو سبب لتعريض حياتهم وحياة الآخرين للخطر.
كما تواصل البلديات ودوائر الشرطة والمرور، بين الحين والآخر، تنفيذ حملات توعوية تستهدف فئة الشباب، للتأكيد على أهمية الالتزام بالقوانين والأنظمة.
وقد جدّدت شرطة أبوظبي، مع بداية فصل الشتاء، تحذيراتها للسائقين من إحداث الضجيج في الأحياء السكنية لما يسبّبه من إزعاج، خصوصاً لكبار السن والمرضى.
ويبقى الرهان الحقيقي للقضاء على هذه الظواهر هو الوعي المجتمعي والتعاون، فالأمر لا يقتصر على الحفاظ على الهدوء أو التصدي للتلوث السمعي والبصري، بل يتعداه إلى الإسهام في تحسين جودة الهواء والحياة عموماً.
إنها مشاهد تتطلب منا جميعاً، أفراداً ومؤسسات، أن نكون شركاء حقيقيين في حماية مدننا، لتبقى عنواناً للجمال، والراحة، والهدوء.