من جوهانسبرغ، حيث تحتضن أفريقيا للمرة الأولى «قمة العشرين»، تكتب بلادنا فصلاً جديداً في كتاب التنمية العالمية، يبدأ -هذه المرة- من القارة السمراء ويمتد إلى المستقبل.
 مليار دولار، أعلن عنها سمو الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، لدعم وتمويل مشاريع الذكاء الاصطناعي في الدول الأفريقية، في مبادرة تتجاوز أرقام التمويل إلى فلسفةٍ ترمي إلى توظيف الذكاء الإنساني لصالح البشرية كلها.
ففي عالمٍ تتسارع فيه الخوارزميات، وتتنافس فيه الدول على امتلاك التقنيات، اختارت بلادنا طريقاً آخر، وهو أن يكون الذكاء الاصطناعي طريقاً إلى التعليم، والصحة، والزراعة، والبنية التحتية، لا أداةً لسباق تقني أجوف.
فالمبادرة، في جوهرها، ليست مشروعاً تكنولوجياً فحسب، بل إعلان نوايا إنسانية يقول: إن التنمية الحقيقية تبدأ من الإنسان وتنتهي إليه، وإن التكنولوجيا لا تكتسب قيمتها إلا حين تُسخّر لخير الناس.
أفريقيا التي تستضيف «قمة العشرين» للمرة الأولى، وجدت في الموقف الإماراتي امتداداً لفهمٍ عميقٍ لاحتياجاتها، بلغة الشراكة وتمكين القدرات المحلية.
ففي وقتٍ يُنظر فيه إلى أفريقيا من زاوية النزاعات أو الأزمات، جاءت المبادرة لتذكّر العالم بأن هذه القارة ليست عبئاً على المستقبل، بل جزءٌ من صناعته.
إنها رؤية ترى في الذكاء الاصطناعي وسيلةً لإزالة الفوارق لا لتكريسها، ولردم الهوة الرقمية بين الشمال والجنوب عبر الاستثمار في العقول والبنية التحتية معاً.
الحضور الإماراتي في «قمة العشرين» لم يكن حضوراً عادياً، بل دبلوماسية مبادِرة تُقدّم الحلول، وتطرح الرؤية.. فالإمارات التي راهنت على الابتكار كأداة للتنمية لا ترى نفسها مجرد طرف في منظومة اقتصادية كبرى، بل جسراً يربط بين الإمكانات والاحتياجات، بين العالم المتقدم والدول الصاعدة الباحثة عن طريقها نحو الحداثة.
لقد أدركت بلادنا باكراً أن السباق الحقيقي ليس على من يملك أكبر قدرٍ من البيانات، بل على من يفهم كيف يوظف المعرفة لخدمة الإنسان. ومن هنا جاء تركيزها على الذكاء الاصطناعي «المسؤول والشامل»، الذي يوازن بين الطموح التقني والواجب الأخلاقي، ويجعل من التكنولوجيا شريكاً في بناء الإنسان لا بديلاً عنه.
من جوهانسبرغ، تكتب بلادنا فصلاً جديداً في كتاب التنمية العالمية.. فصلاً يبدأ من أفريقيا ويمتد إلى المستقبل.
مليار دولار ليست مجرد رقم أو ميزانية، بل رمزٌ لنهجٍ يرى في العطاء أفقاً للاستثمار، وفي الذكاء الاصطناعي وسيلةً لتقريب المسافات بين الشعوب لا لتوسيعها. 
وهكذا، حين تتحدث الإمارات عن الذكاء فإنها لا تتحدث عن الآلة، بل عن الإنسان.. عن فكرٍ يؤمن بأن التكنولوجيا بلا أخلاق لا تُثمر، وأن التنمية بلا إنسان لا تدوم.