في سماء الحقيقة، تعبر أحياناً غيوم الشك، وتتصاعد أدخنة الأسئلة المحيرة أحياناً أخرى، فيصبح الأمر أشبه برحلة الشك نحو اليقين، ذاك ما احتاجه الفيلسوف بيب جوارديولا من تلامذته، وهم يدخلون كهوف الأنفيلد المظلمة، أن يقدموا الجواب على يقين تَسيُّد المان سيتي للمشهد الكروي الإنجليزي للسنة العاشرة توالياً.
فاز «السماوي» على «الريدز» في مباراة مجنونة، وكانت المرة الثانية طوال عقد من الزمان، التي يحقق فيها بيب الانتصار بجحيم الأنفيلد، وفي الفوز بالسيناريو الدراماتيكي، بل والهيتشكوكي الذي جاء به، قدّم لاعبو «السيتيزن» الهدية الأجمل لفيلسوفهم ومعلمهم بيب جوارديولا، وهو يحتفل بانقضاء عشر سنوات بالتمام والكمال على وصوله إلى نادي مانشستر سيتي، وما كان في العِقد الفريد، حقبة ذهبية، لا تستطيع أي من حقب السيتي أن تنافسها في الروعة والخصوصية والجمال.
كان الفوز على ليفربول، خياراً استراتيجياً للمان سيتي، إذ كان سيبقيه على مسافة ست نقاط من أرسنال الذي يتمثل هذا الموسم روح الانتصارية التي يُلقّب بها، وبعد سجال كروي هو صورة من السحر الذي تتفرد به الكرة الإنجليزية ودوريها الممتاز، نجح المان سيتي في تحقيق «الريمونتادا» العجيبة، مع حلول الثلث الأخير والمجنون من عمر المباراة، ليُحيي آماله في القبض مجدداً على لقب البريميرليج.
عندما حطّ العبقري بيب جوارديولا الرحال بمانشستر سيتي سنة 2016، متعاقداً مع إدارة حكيمة ومُلهِمة، على مشروع قياسي بالمسافة الزمنية التي يستشرفها، وبكمِّ الأهداف التي يراهن عليها، كان يدرك أن فلسفة الاستحواذ والضغط العالي التي بها حقق السداسية التاريخية مع البارسا، تحتاج إلى محميات تكتيكية تحصّنها ضد أساليب تسعى لتقويضها، ونجح الفيلسوف في ذلك، ليقود السيتي بالأسلوب والهوية إلى تحقيق النجاحات الرياضية اللافتة لمشروع أحكمت القيادة الإماراتية، تحصينه إدارياً وتسويقياً وإشعاعياً.
نجح بيب جوارديولا، ليس فقط في تحقيق رقم قياسي في عدد الألقاب، خلال عِقد من الزمان، ليصل إلى 18 لقباً، بمتوسط يقلُّ قليلاً عن لقبين في العام الواحد، ويُقْرن اسمه بالسير أليكس فيرجسون الذي صنع أجمل ملاحم الغريم يونايتد، ولكن أيضاً في توطين فكر تكتيكي جديد، نجحت معه الكرة الإنجليزية في تجاوز النمطية واستلهام روح جديدة، سمحت للدوري الإنجليزي، بأن يدعم بقوة مكانته في قمة الهرم الكروي العالمي، ليكون هو الأمتع والأجمل والأفضل.
صحيح، أن الأندية الإنجليزية انفتحت منذ زمن بعيد على الخبرات الفنية غير البريطانية، لتجديد روح الإبداع، ومر بالدوري الأقوى عالمياً، خبراء ومهندسون فنيون ومصممو الأداء التكتيكي، إلا أن في عبقرية بيب جوارديولا لم يكن هناك الكثير، كما أن القيادة الإماراتية للمان سيتي تظل هي العنوان الأبرز للإتقان في العصر الجديد.