في عالمٍ تتشابك فيه الأكاذيب، وتتصارع فيه الحقائق مع حملات التضليل، يبقى الموقف المبدئي وحده هو ما يصنع الفرق.. وهذا ما فعلته الإمارات حين اختارت أن تُسمي الأشياء بأسمائها، وأن تنتصر للإنسان السوداني في مواجهة حربٍ لم تُبقِ شيئاً في هذا البلد إلا وتركته مثقلاً بالدم والدموع.
من الإمارات، جاء صوت معالي الدكتور أنور بن محمد قرقاش، المستشار الدبلوماسي لصاحب السمو رئيس الدولة، واضحاً لا لبس فيه: «لا حلّ عسكرياً في السودان.. لا الجيش قادر على حسم حربٍ أشعلها بنفسه، ولا قوات الدعم السريع قادرة على تحويل العنف إلى شرعية سياسية، وكلاهما، ارتكب فظائع موثقة، لا يمكن تبريرها ولا يمكن تجاهلها».
لم يقف قرقاش عند هذا الحد، بل حدّد جوهر الأزمة حين قال: «إن الجماعات المتطرفة المرتبطة بتنظيم (الإخوان) لا يمكن أن تحدد مستقبل السودان».
 لم تكن هذه الجملة رأياً سياسياً، بل كانت تشخيصاً دقيقاً لمعركة طُمسِت ملامحها بسبب التسويق الإعلامي والتشويه المنهجي للحقائق. فـ«الإخوان»، سواء عبر واجهاتهم السياسية أو جماعاتهم المسلحة أو أذرعهم الإعلامية، كانوا دائماً جزءاً من صناعة الأزمة، لا طريقاً للحل.
وحين قال معالي أنور قرقاش: إن «الادعاءات الكاذبة والمعلومات المضللة لن تثنينا»، لم يكن يردّ على حملة تشويه، بل كان يضع حدّاً بين طريقين، طريقٍ يُراد له أن يُغرق السودان في دوامة الاتهامات، وآخر تسلكه الإمارات بإصرارٍ وحكمة لإنقاذ الشعب السوداني من محنته.
فبينما تنشغل بعض الأطراف السودانية بصناعة الضجيج وتوزيع الاتهامات، كانت الإمارات تشقّ مساراً مختلفاً.. تعمل بصمتٍ فاعل في «الرباعية الدولية»، وتتحرك بثبات داخل الأمم المتحدة، وتنسّق مع واشنطن والمجتمع الدولي لفتح نافذةٍ تقود إلى وقف النار، وإلى استعادة عملية سياسيةٍ تعيد للسودان شيئاً من توازنه واستقراره.
ولم يكن موقف الإمارات مجرد دعم سياسي، بل مسؤولية أخلاقية في مواجهة حربٍ وصفها كبار مسؤولي الأمم المتحدة بأنها «من أسوأ المآسي الإنسانية في التاريخ الحديث»، تُستخدم فيها المساعدات كسلاح والتجويع كتكتيك عسكري.
لم يأتِ الموقف الأميركي الأخير تجاه الجماعات المتطرفة و«الإخوان» بمعزل عن المشهد السوداني.. فإعلان الرئيس دونالد ترامب بدء إجراءات تصنيف بعض فروع الإخوان «منظمات إرهابية»، هو بداية تحوّل كبير في البيئة الدولية التي طالما وفّرت للتنظيم مظلات سياسية وقانونية.
ومع هذا التحول، يصبح ادعاء «الإخوان» تمثيل الشعوب أو احتكار «المظلومية» مجرد ورقة محترقة، ويتراجع دورهم في توجيه بوصلة الرأي العام، خاصة في الأزمات المفتوحة مثل السودان.
ولعل أبرز ما في الموقف الأميركي الجديد أنه يكشف السياق الحقيقي الذي تحاول بعض الأطراف السودانية الهروب منه، وهو أن الحرب ليست صراعاً بين «شرعية» و«تمرد»، بل بين أطراف مسلحة تتقاطع في الخلفيات الأيديولوجية، وتتنافس على السلطة، وتلتقي، رغم كل شيء، عند مربع الفوضى.
وفي كل الأحوال، لم تغيّر الإمارات نهجها، إذ دعت، منذ بداية الأزمة، بوضوح إلى وقف فوري وغير مشروط لإطلاق النار، وأكدت أنه لا تفاوض على معاناة الناس، ولا شرعية لمن يمنع الطعام عن المدنيين، ولا مستقبل لبلد طالما ظلّ رهينة الجنرالات أو جماعات متطرفة.
إن الإمارات تدعم سوداناً آمناً وموحداً وقابلاً للحياة، وتؤمن بأن الطريق إلى هذا السودان لن يمر عبر فصيل مسلح، ولا عبر جنرال، ولا عبر جماعة متطرفة، بل عبر عملية انتقالية مدنية مستقلة تُعيد الدولة إلى أهلها.
ويبقى القول: إنه في زمنٍ تصخب فيه الميكروفونات، وتضيع فيه الحقيقة بين اتهامٍ واتهام، تبقى الإمارات الصوت الأكثر اتساقاً، صوتٌ يدين الجميع حين يخطئون، ويرحب بالجميع حين يبحثون عن السلام.. صوتٌ لا يخشى تسمية المتطرفين بأسمائهم، ولا يجامل من يمنع المساعدات، ولا يتردد في دعم كل مسار يُعيد السودان إلى السودانيين.
وحين ننصت إلى كلمات معالي أنور قرقاش، نكتشف أن الموقف ليس سياسياً فقط، بل أخلاقياً وإنسانياً.. موقف دولة اختارت أن تظل في صف الحقيقة، مهما اشتدت الضوضاء.