في الذكرى الرابعة والخمسين لقيام الاتحاد، تذهب الإمارات في كل عام إلى إعادة صياغة معنى التميّز من جديد. لم يعُد العمل الوطني ينعكسُ في أداء المؤسسات ولا في الإنجازات العمرانية ومظاهر التمدن الحديثة، بل دخلنا في مرحلة أصبحت فيها الدولة فضاء مفتوحاً لإعادة التفكير في ماهية الإنسان وسعادته ودور الثقافة في تشكيل الوعي وأهمية الفكر المستنير في دحض الأفكار الظلامية، التي تنخر المجتمعات وتعيدها سنين إلى الوراء. ومن يتابع صيّغ الطرح الثقافي في الإمارات على جميع المنابر، يدرك بأن هذا الحراك ليس ازدهاراً ثقافياً عابراً، وإنما هو حدث وفعل فلسفي عميق يتجاوز الاحتفالات الشكلية، ويتوغّل في أسئلة وجودية تمس الحاضر العربي كلّه على مستوى اللغة والأدب والفنون والخطاب النقدي والحوار مع الآخر.
في أغلب التجمعات والندوات صرنا نُصغي إلى التعددية الفكرية، وهو إقرار بجود فلسفة جوهرية تقول إن الحقيقة لا تُرى من نافذة واحدة، وإن الوعي لا يتأسّس إلا حين تتجاور الرؤى المتنوعة وتتفاعل وتتلاقى، وما ينتج عنها بعد ذلك هو إلغاء التزمت، الذي يظنُّ صاحبه بأنه يمتلك الحقيقة وحده، وبدلاً منه ينشأ الإيمان بقيمة الاختلاف كعنصر أساسي في تكوين المجتمعات الحديثة، التي تدخل عناصر ثقافية مختلفة في نسيجها الجماعي.
في هذا الزمن المتغير بسرعة، طرأت إشكاليات كثيرة على القضايا الإنسانية الكبرى، وأصبحت مسائل مثل: الهوية، الترجمة، بناء الجسور بين الشعوب، والانفتاح على الآخر، مطلباً في قوانين الأمم المتحدة وبرامج عملها، وبالتماهي مع هذه الرؤى، تحولت الإمارات إلى مكان يستقبل ويحتضن مثل هذه الأسئلة، ويثيرها أيضاً، ويجيب عنها واقعياً وعملياً، حيث يرحّب بالمختلف ويرسّخ لصيغة إنسانية مشتركة، ويقترح للإنسان العربي نموذجاً جديداً في كيفية العيش والانسجام مع العالم والتنفس برئة ثقافية منفتحة.
أسعدني هذا العام تكريم اليونسكو والأمم المتحدة قامتين ثقافيتين من الإمارات، هما الشاعر سلطان بن علي العويس والشاعر أحمد سلطان بن سليم، بما يعيدنا إلى أهمية الالتفات إلى إرثنا الأدبي التأسيسي. وقد كان هذان الشاعران نموذجيْن ناصعيْن للانفتاح الثقافي حيث الهوية الوطنية الأصيلة تُثبت نفسها حين تتصل بتاريخ البشرية كلّها لا بتاريخها وحده.
في الإمارات نقول للعالم: الثقافة المستنيرة هي جوهر ما نسعى إليه، ومن يمتلك رؤية تصبُّ في صالح الإنسانية، فإن الإمارات بوابته وتربته أينما أراد أن يزرع الضوء ويسقيه.


